كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 2)
"""""" صفحة رقم 212 """"""
تبرز وجهها لأحدٍ ، كان أحسن ، فلم يزل به حتى دخل البيت فجعل يحدثها نهاره كله . فإذا أمسى صعد في صومعته . قال : ثم أتاه إبليس بعد ذلك ، فلم يزل يزينها له حتى ضرب العابد بيده على فخذها وقبلَّها . ثم لم يزل يحسنها في عينه ويُسوّل له حتى وقع عليها فأحبلها ، فولدت غلاماً . فجاء إبليس ، فقال له : أ رأيت إن جاء اخوتها ، وقد ولدت منك كيف تصنع ؟ فاعمد إلى ابنها فاذبحه وادفنه ، فإنها ستكتم ذلك عليك مخافة اخوتها ، فقتله . ثم جاءه ، فقال : أتراها تكتم ما صنعت بها ؟ خذها فاذبحها وادفنها مع ابنها ، فذبحها وألقاها في الحفرة . فمكث ما شاء الله حتى قفل إخوتها من الغزو . فجاءوه فسألوه عن أختهم فنعاها لهم وترحم عليها وبكاها ، وقال : كانت خيرامرأة ، وهذا قبرها . فأتى اخوتها القبر فبكوها وترحما عليها ، وأقاموا على قبرها أياماً ثم انصرفوا إلى أهاليهم . قال : فلما جنَّهم الليل وأخذوا مضاجعهم ، أتاهم الشيطان في النوم فبدأ بأكبرهم فسأله عن أختهم . فأخبره بقول العابد وبموتها . فكذبه الشيطان ، وقال : لم يصدقكم أمر أختكم . إنه أحبلها وولدت منه غلاماً فذبحه وذبحها معه فرقاً منكم ، وألقاها في الحفرة خلف باب البيت . وأتى الأوسط في منامه ، فقال له مثل ذلك ؛ ثم أتى أصغرهم ، فقال له مثل ذلك . فلما استيقظ القوم ، استيقظوا متعجبين لما رآه كلُّ واحدٍ منهم . فأقبل بعضهم على بعض يقول : لقد رأيت عجباً وأخبر بعضهم بعضاً بما رأى ، فقال كبيرهم : هذا حلمٌ ، ليس هذا بشيء ، فامضوا بنا ودعوا هذا ، فقال أصغرهم : لا أمضي حتى آتي ذلك المكان فأنظر فيه ، فانطلقوا فبحثوا الموضع ، فوجدوا أُختهم وابنها مذبوحين . فسألوا عنها العابد ، فصدّق قول إبليس فيما صنع بهما . فاستعدوا عليه ملكهم فأُنزل من صومعته وقدَّموه ليصلبوه . فلما أوثقوه على الخشبة ، أتاه الشيطان ، فقال له : قد علمت أني صاحبك الذي فتنتك في المرأة حتى أحبلتها وذبحتها وابنها ، فإن أنت أطعتني اليوم وكفرت بالله الذي خلقك ، خلصتك مما أنت فيه ، فكفر العابد بالله . فلما كفر ، خلَّى الشيطان بينه وبين أصحابه فصلبوه . قال وهب : ففيه نزلت هذه الآية : " كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إنِّي بريءٌ منك إنِّي أخاف الله ربَّ العالمين فكان عاقبتهما أنَّهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين " .
نسأل الله العافية من فتنتهن ، ونعوذ به من الشيطان الرجيم .