كتاب الدر النقي في شرح ألفاظ الخرقي (اسم الجزء: 3)
الخَلْق الكثير، والجَمُّ الغفير (¬1)، وأحاديثه ملأت الدنيا شرقًا وغربًا. وقد قال: "حَفِظْتُ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وِعاءيْن. فأمَّا أحدهما: فبَثَثْتُه، وأما الآخر: فلو بَثَثْتُه، لَقُطع هذا البَلْعُوم" (¬2).
وقال: "كُنْتُ امْرَأً مسكينًا، أَلْزَم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على شِبَع بَطْني، وكان المهاجِرون يَشغلهم الصَّفْقُ بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَن يَبْسُط رِداءَهُ حتى أقْضِي مقالَتي، ثم يَقْبِضه إليه فلنْ يَنْسَى شيئًا سمِعَهُ مِني، فبَسَطْت بُرْدَةً عليَّ حَتى قضى حديثه، ثم قَبضتُها إليَّ، فوالذي نَفْسي بيده ما نَسِيْت بعدُ حديثًا سمِعْته منه (¬3) ".
مات سنة ثمان وخمسين (¬4)، وقيل: سنة تسعٍ وخَمسين (¬5).
¬__________
(¬1) قيل: بلغ عدد أصحابه ثمان مائة، ذكر مُعظمهم صاحب (تهذيب الهذيب: 12/ 262، وما بعدها)، والذهبي في: (سيره: 2/ 579 وما بعدها).
(¬2) أخرجه البخاري في العلم: 1/ 216، باب حفظ العلم، حديث (120).
وعاءين: أبي ظرفين. أطلق المَحَل، وأراد به الحال: أبي نوعين من العِلْم، فيكون مراده إذًا أن محفوظه من الحديث، لو كُتِب لملأ وعاءين، وبهذا يندفع التعارض بين هذا الحديث وبين قوله في حديث آخر "كنت لا أَكتُب" انظر: (فتح الباري: 1/ 216).
أما قوله: (وأما الآخر: فلو بَثَثْتُه لقطع هذا البلعوم". فقد حمله العلماء على الأحاديث التي فيها تبين أمراء السوء وأحوالهم وزمنهم وقد كان أبو هريرة يُكَنِي عن بعضه، ولا يصرح به خوفًا على نفسه منهم. انظر: (المصدر السابق: 1/ 216).
(¬3) أخرجه البخاري في البيوع: 4/ 287، بلفظ قريب منه، باب قول الله عز وجل: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ}، حديث (2047)، ومسلم في فضائل الصحابة: 4/ 1940، باب صت فضائل أبي هريرة: الدَّوسيّ رضي الله عنه، حديث (159)، وابن سعد في (طبقاته: 4/ 330)، والذهبي في (سيره: 2/ 595).
(¬4) قاله أبو معشر، وضمرة، وعبد الرحمن بن مغراء. والهيثم وغيرهم، حكاه عنهم الذهبي في (سيره: 2/ 627)، وابن حجر في (الإصابة: 7/ 207).
(¬5) قاله الواقدي، حكاه عنه ابن سعد في: (طبقتاته: 4/ 340 - 341)، والذهبي في (سيره: 2/ 626).