كتاب آثار عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني (اسم الجزء: 3)
فالحديث يدلُّ على كراهيةٍ مَّا للاسترقاء، وحقيقته: سؤالك من رجلٍ أن يرقيك، وذلك سؤالٌ لنفعٍ دنيويٍّ، فأمَّا أن يجيئك رجلٌ فيرقيك بدون أن تسأله فلا كراهة فيه؛ فقد كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يرقي، وعرضوا عليه رقيةً، فقال: «ما أرى بها بأسًا، مَن استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه» (¬١).
وفي الصحيحين عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى نفث على نفسه [٥٢٧] بالمعوِّذات، ومسح عنه بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفِّي فيه طَفِقتُ أَنفُثُ على نفسه بالمعوِّذات التي كان ينفث، وأمسح بيد النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّم عنه (¬٢).
وهذا الفرق شبيهٌ بالفرق بين سؤال المال وقبول العطاء، ففي الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعطيني العطاء، فأقول: أعطه أفقر إليه منِّي، فقال: «خذه، إذا جاءك من هذا المال شيءٌ وأنت غير مشرفٍ ولا سائلٍ فخذه، وما لا فلا تتبعْه نفسك» (¬٣).
وكان ابن عمر وأبو هريرة وغيرهما من الصحابة رضي الله تعالى عنهم
---------------
(¬١) انظر: صحيح مسلمٍ، كتاب السلام، باب استحباب الرقية من العين ... ، ٧/ ١٩، ح ٢١٩٩ (٦٣). [المؤلف]
(¬٢) البخاريّ، كتاب المغازي، باب مرض النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ووفاته، ٦/ ١١، ح ٤٤٣٩. مسلم، كتاب السلام، باب رقية المريض بالمعوِّذات والنفث، ٧/ ١٦، ٢١٩٢. [المؤلف]
(¬٣) البخاريّ، كتاب الزكاة، باب مَن أعطاه الله شيئًا من غير مسألةٍ ولا إشراف نفسٍ، ٢/ ١٢٣، ح ١٤٧٣. مسلم، كتاب الزكاة، باب إباحة الأخذ لمن أُعطي من غير مسألةٍ ولا إشرافٍ، ٣/ ٩٨، ح ١٠٤٥. [المؤلف]