كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 145 """"""
أبي طالب رضي الله عنه : بأبي تراب ، وقال البحتري :
يتشاغفن بالصغير المسمى . . . موضعاتٍ وبالكبير المكنى
وهذا يدل على أن المراد بالكنية التبجيل ، وقول ابن الرومي :
بكت شجوها الدنيا فلما تبينت . . . مكانك منها استبشرت وتثنت
وكان ضئيلا شخصها فتطاولت . . . وكانت تسمى ذلةً فتكنت
وقال أبو صخر الهذلي :
أبي القلب إلا حبه عامريةً . . . لها كنيةٌ عمروٌ وليس لها عمرو ومن عادة العرب وشأنهم ، استعمال الكنايات في الأشياء التي يستحيي من ذكرها ، قصدا للتعفف باللسان ، كما يتعفف بسائر الجوارح ، قال الله عز وجل تأديبا لعباده " قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم " فقرن عفة البصر بعفة الفرج ، وفي القرآن كناياتٌ عدل بها عن التصريح تنزيها عن اللفظ المستهجن ، كقوله تعالى : " نساؤكم حرثٌ لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " وقال أبو عبيد : هو كناية ، شبه النساء بالحرث ، وقوله تعالى : " وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا " ، قيل : هو كنايةٌ عن الفروج ، وفي موضع آخر : " يوم يشهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون " ، وقوله تعالى : " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " ، وقوله تعالى : " ما المسيح ابن مريم إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقةٌ كانا يأكلان الطعام " قال المفسرون : هذا تنبيه بأكل الطعام على عاقبة ما يصير إليه ، وهو الحدث ، لأن من أكل الطعام فلا بد أن يحدث . ثم قال : " انظر كيف نبين لهم الآيات " وهذا من ألطف الكناية ، ومنه قوله تعالى : " أو جاء أحدٌ منكم من الغائط أو لامستم النساء " فالغائط : المطمئن من الأرض ، وكانوا يأتونه لحاجتهم ويستترون به عن الأماكن المرتفعة . ومن لم ير الضوء من لمس النساء جعل الملامسة ها هنا كناية عن الفعل .
ومن الكنايات في كلام رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) وهو وإن كان قد ورد في الأمثال أشبه بالكناية منها قوله ( صلى الله عليه وسلم ) " إياكم وخضراء الدمن " يريد بها المرأة الحسناء في المنبت السوء ، وتفسير ذلك : أن الريح تجمع الدمن ، وهو البعر في البقعة من الأرض فأذا أصابه المطر نبت غضا يهتز وتحته الدمن الخبيث ، يقول : فلا تنكحوا هذه المرأة

الصفحة 145