كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 166 """"""
ثم قال : كان والله يا ابن عباس ، عظيم المروءة ، شريف الأبوة ، جليل القدر ، بعيد الشر ، كميش العروة ، زين الندوة ، سليم جوانح الصدر ، قليل وساوس الفكر ، ذاكراً لله تعالى في طرفي النهار وزلفاً من الليل ، الجوع والشبع عنده سيان ، لا منافس في الدنيا ، ولا غافل عن الآخرة ، يطيل السكوت ، ويديم الفكر ، ويكثر الاعتبار ، ويقول الحق ، ويلهج الصدق ، ليس في قلبه غير ربه ، ولا يهمه غير نفسه ، فقال ابن عباس : ما ظنك برجل سبقه عضو منه إلى الجنة ؟ رحم الله زيدا فأين كان عبد الله منه ؟ فقال : كان عبد الله سيدا شجاعاً ، شيخاً مطاعاً ، خيره وساع ، وشره دفاع . لين النحيزة ، أحوذي الغريزة ، لا ينهنهه منهنه عما أراد ، ولا يركب إلا ما اعتاد ، سمام العدى ، فياض الندى ، صعب المقادة ، جزل الرفادة . أخو إخوان ، وفتى فتيان ، ثم أنشد شعر حسان بن ثابت :
إذا قال لم يترك مقالاً لقائل . . . بملتقطاتٍ لا يرى بينها فصلا
قضى فشفى ما في النفوس فلم يدع . . . لذي إربة في القوم جداً ولا هزلا
ودخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية بن أبي سفيان فقال له : صف لي علياً فقال له : أو تعفيني ؟ فقال : لا أعفيك ؟ قال : أما إذ لا بد ، فإنه كان بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلا ، ويحكم عدلا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويأنس بالليل وظلمته ، كان والله غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلب كفيه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ، ومن الطعام ما خشن ، كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع تقربه إلينا وقربه منا لا نكلمه هيبةً له ، فإن تبسم فعن مثل لؤلؤ منظوم ، يعظم أهل الدين ، ويحب المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الضعيف من عدله .
وذكر عمرو بن معد يكرب بني سليم فقال : بارك الله على حي بني سليم ما أصدق في الهيجاء لقاءها وأثبت في النوازل بلاءها وأجزل في النائبات عطاءها والله لقد قابلتهم فما أجبتهم ، وهاجيتهم فما أفحمتهم ، وسألتهم فما أجبنتهم .