كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 194 """"""
وإمساك الأقل ، والإيثار إعطاء الكل من غير إمساك بشيء ، وهو أشرف درجات الكرم ، وبه استحقوا ثناء الله عز وجل عليهم في قوله : " ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ " . ومن كلامٍ ينسب إلى جعفر بن محمد : لا يتم المعروف إلا بثلاثة : تعجيله ، وتصغيره ، وستره . الجود زكاة السعادة ، والإيثار على النفس موجب لاسم الكرم ، وقال : لا يستحي من بذل القليل فإن الحرمان أقل منه . قال بعض الشعراء :
أعط القليل ولا يمنعك قلته . . . فكل ما سد فقراً فهو محمود
وقال علي بن الحسين : الكريم يبتهج بفضله ، واللئيم يفتخر بماله .
وقال الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما : أيها الناس من جاد ساد ، ومن بخل رذل ، وأن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه . وقيل ليزيد بن معاوية : ما الجود ؟ قال : أن تعطي المال من لا تعرف ، فإنه لا يصير إليه حتى يتخطى من تعرف .
وقال أحمد بن محمد بن عبد ربه : لو لم يكن في الكرم ، إلا أنه صفة من صفات الله تعالى ، تسمى بها فهو الكريم عز وجل . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه " . وقيل لعبد الله بن جعفر : إنك قد أسرفت في بذل المال ، قال : إن الله عز وجل قد عودني بعادة أن يتفضل علي ، وعودته أن أتفضل على عباده ، وأخاف أن أقطع العادة فيقطع عني . وقال المأمون لمحمد بن عباد المهلبي : إنك متلاف ، قال : منع الجود ، سوء ظن بالمعبود . قال الله تعالى : " وما أنفقتم من شيءٍ فهو يخلفه وهو خير الرازقين " . وقال أكثم بن صيفي حكيم