كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 195 """"""
العرب : ذللوا أخلافكم للمطالب ، وقودوها إلى المحامد ، وعلموها المكارم ، ولا تقيموها على خلق تذمونه من غيركم ، وصلوا من رغب إليكم وتحلوا بالجود يكسبكم المحبة ، ولا تعتقدوا البخل ، لتعجلوا الفقر ، أخذه الشاعر فقال :
أمن خوف فقر تعجلته . . . وأخرت إنفاق ما تجمع
فصرت الفقير وأنت الغني . . . وما كنت تعدو الذي تصنع
وكتب رجل من البخلاء إلى رجل من الأسخياء يأمره بالإنفاق على نفسه ويخوفه الفقر ، فأجابه : " الشيطان يعد كم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعد كم مغفرةً منه وفضلاً " وإني أكره أن أترك أمرا قد وقع لأمر لعله لا يقع .
وكان سعيد بن العاص يقول على المنبر : من رزقه الله رزقا حسنا ، فلينفق منه سرا وجهرا ، حتى يكون أسعد الناس به ، فإنما يترك ما يترك لأحد رجلين ، إما لمصلح ، فلا يقل عليه شيء ، وإما لمفسد ، فلا يبقى له شيء . أخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال :
اسعد بمالك في الحياة فإنما . . . يبقي خلافك مصلحٌ أو مفسد
فإذا جمعت لمفسد لم يغنه . . . وأخو الصلاح قليله يتزيد
وقال أبو ذر رضي الله عنه : لك في مالك شريكان الحدثان ، والوارث ، فإن استطعت أن لا تكون أبخس الشركاء حظاً فافعل . وقال بزرجمهر الفارسي : إذا أقبلت عليك الدنيا ، فانفق منها ، فإنها لا تفنى ، وإذا أدبرت عليك ، فانفق منها ، فإنها لا تبقى ، أخذ الشاعر هذا المعنى فقال :
لا بتخلن بدينا وهي مقبلةٌ . . . فليس ينقصها التبذير والسرف
وإن تولت فأحرى أن تجود بها . . . فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف