كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 196 """"""
وكان كسرى يقول : عليكم بأهل السخاء والشجاعة ، فإنهم أهل حسن ظن بالله ، ولو أن أهل البخل ، لم يدخل عليهم من ضر بخلهم ، ومذمة الناس لهم ، وإطباق القلوب على بغضهم ، إلا سوء ظنهم بربهم في الخلف ، لكان عظيما ، أخذه محمود الوراق فقال :
من ظن بالله خيرا جاد مبتدئا . . . والبخل من سوء ظن المرء بالله
وقيل لأبي عقيل البليغ العراقي : كيف رأيت مروان بن الحكم عند طلب الحاجة إليه ؟ قال : رأيت رغبته في الشكر ، وحاجته إلى قضاء الحاجة ، أشد من حاجة صاحبها .
وقال زياد : كفى بالبخيل عارا ، أن اسمه لم يقع في حمد قط .
وقال أسماء بن خارجة : ما أحب أن أرد أحدا عن حاجة طلبها ، لأنه لا يخلو أن يكون كريما ، فأصون له عرضه ، أو لئيما ، فأصون عرضي منه .
وقال إبراهيم بن المهدي : قلت لرجل من أهل الكوفة من وجوه أهلها كان لا يجف بيده قلم ، ولا يستريح قلبه ، ولا تسكن حركته في طلب حوائج الرجال ، وإدخال المرافق على الضعفاء : أخبرني عن الحالة التي خففت عنك النصب ، وهونت عليك التعب ، في القيام بحوائج الناس ، ما هي ؟ قال : قد والله سمعت تغريد الطير بالأسحار ، في فروع الأشجار ، وسمعت خفق أوتاد العيدان وترجيع أصوات القيان ، فما طربت من صوت قط ، طربي من ثناء حسن ، بلسان حسن ، على رجل قد أحسن ، ومن شكر حر لمنعم حر ، ومن شفاعة محتسب ، لطالب شاكر ، قال إبراهيم : فقلت ، لله أبوك لقد حشيت كرما . وكان طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري من أجود قريش في زمانه ، فقالت له امرأته : ما رأيت قوما ألام من إخوتك ، فقال لها : لمه ؟ وأني قلت ذاك ؟ فقالت : أراهم إذا أيسرت أتوك ، وإذا أعسرت تركوك ، قال : هذا والله كرمهم ، يأتوننا في حال القوة عليهم ، ويتركوننا في حال العجز عنهم .