كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 197 """"""
وحكي أن رجلا شيخا أتى سعيد بن سالم ، وكلمه في حاجة وما شاه ، فوضع الشيخ زج عصاه التي يتوكأ عليها ، على رجل سعيد حتى أدماها ، فما تأوه لذلك ، وما نهاه ، فلما فارقه ، قيل له : كيف صبرت على هذا منه ؟ فقال : خفت أن يعلم جنايته ، فينقطع عن ذكر حاجته .
ذكر من انتهى إليهم الجود في الجاهلية وذكر شيء من أخبارهم
والذي انتهى إليهم الجود في الجاهلية حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي ، وهرم بن سنان المري ، وكعب بن مامة الإيادي ، وضرب المثل بحاتم وكعب ، والمشهور حاتم . وكعب هذا : هو الذي جاد نفسه ، وآثر رفيقه بالماء في المفازة ، ولم يشهر له خبرٌ غير هذا . وأما حاتم فأخباره مشهورة .
منها : أنه كان إذا اشتد البرد ، أمر غلامه يسارا ، فأوقد نارا في بقاع من الأرض ، لينظر إليها من ضل عن الطريق ، وفي ذلك يقول :
أوقد فإن الليل ليل قر . . . والريح يا واقد ريحٌ صر
عسى يرى نارك من يمر . . . إن جلبت ضيفا فأنت حرٌّ
قالوا : ولم يك حاتم يمسك غير سلاحه وفرسه ، ثم جاد بفرسه في سنة أزمة .
قالت النوار امرأة حاتم : أصابتنا سنة اقشعرت لها الأرض ، واغبر أفق السماء ، وضنت المراضع عن أولادها ، لا تبض بقطرة ، وأيقنا بالهلاك ، فوالله ، إني لفي ليلة صنبرة ، بعيدة ما بين الطرفين ، إذ تضاغي صبيتنا جوعا ، عبد الله ، وعدي ، وسفانة ، فقام حاتم إلى الصبيين ، وقمت إلى الصبية ، فوالله ما سكتوا إلا بعد هدأة من الليل ، وأقبل يعللني ، فعرفت ما يريد ، فتناومت ، فلما تهورت النجوم ، إذا بشيء قد رفع كسر البيت ، فقلت : من هذا ؟ فولى ، ثم عاد آخر الليل ، فقال من هذا ؟ فقالت :

الصفحة 197