كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 201 """"""
تقول ، فهذا جوهر حملته معي ، بأضعاف ما بذله المنصور ، لمن جاءه بي فخذه ولا تسفك دمي ، فقال : هاته ، فأخرجته إليه ، فنظر إليه ساعة ، وقال : صدقت في قيمته ، لست قابله حتى أسألك عن شيء ، فإن صدقتني أطلقتك ، فقلت : قل ، فقال : إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني هل وهبت قط مالك كله قلت : لا ، فنصفه قلت : لا ، قال : فثلثه قلت ، لا حتى بلغ العشر فاستحييت وقلت : إني أظن قد فعلت هذا ، فقال : ما ذاك بعظيم ، أنا والله راجل ، ورزقي على أبي جعفر ، عشرون درهما ، وهذا الجوهره قيمته ألف دينار ، وقد وهبته لك ، ووهبتك لنفسك ، ولجودك المأثور بين الناس ، ولتعلم أن في الدنيا من هو أجود منك ، ولا تعجبك نفسك ، ولتحقر بعد هذا كل شيء تفعله ولا تتوقف عن مكرمة ، ثم رمى بالعقد إلي ، وخلي خطام الجمل وانصرف ، فقلت : يا هذا قدو الله فضحتني ، ولسفك دمي أهون علي مما فعلت ، فخذ ما دفعته إليك ، فإني عنه في غنًى ، فضحك ، ثم قال : أردت أن تكذبني في مقامي هذا ، فوالله لا آخذه ، ولا آخذ لمعروف ثمنا أبدا ، ومضى ، فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت ، وبذلت لمن جاءني به ما شاء ، فما عرفت له خبرا ، وكأن الأر ابتلعته ، وكان سبب غضب المنصور على معن ابن زائدة : أنه خرج مع عمرو بن يزيد بن عمرو بن هبيرة وأبلى في حربه بلاء حسنا .
ويقال : إن شاعرا أتى وهب بن وهب ، وكان جوادا ، فمدحه فهش وبش له وثنى له الوسادة وأضافه ورفده وحمله ، فلما أراد الرجل الرحلة ، لم يخدمه أحد من غلمان وهب ، فأنكر الرجل ذلك مع جميل فعله ، فعاتب بعضهم ، فقال له الغلام : إنا إنما نعين النازل على الإقامة ولا نعين الراحل على الفراق .
وكان الحارث بن هشام المخزومي في وقعة اليرموك ، وبها أصيب فاثبته الجراح ، فاستسقى ماء ، فأتي به ، فلما تناوله ، نظر إلى عكرمة بن أبي جهل صريعا