كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 202 """"""
في مثل حاله ، فرد الإناء على الساقي ، وقال : امض إلى عكرمة بن أبي جهل ، فمضى إليه ، فأبى أن يشرب قبله ، فرجع إلى الحارث ، فوجده ميتا ، فرجع إلى عكرمة ، فوجده قد مات ، فلم يشرب واحد منهما . وقد وصف الناس أهل الجود والكرم بمدائح ، سنذكر ما استجودناه منها .
فمن ذلك ما حكي عن أبي العباس أحمد بن يحيى المعروف بثعلب ، قال : كان ببغداد فتى يجن ستة أشهر ، فاستقبلته ببعض السكك ذات يوم ، فقال : ثعلب ؟ قلت : نعم ، قال : فأنشدني فأنشدته :
وإذا مررت بقبره فاعقر به . . . كوم الهجان وكل طرفٍ سابح
وانضح جوانب قبره بدمائها . . . فكذا يكون أخا دم وذبائح
فضحك ، ثم سكت ساعة ، وقال : ألا قال ؟
اذهبا بي إن لم يكن لكما عق . . . رٌ على ترب قبره فاعقراني
وانضحا من دمي عليه فقد كا . . . ن دمي من نداه لو تعلمان
ثم رآني يوما بعد ذلك فتأملني ، وقال : ثعلب قلت : نعم ، قال : أنشدني فأنشدته .
أعار الجود نائله . . . إذا ما ماله نفدا
وإن ليثاً شكا جبنا . . . أعار فؤاده الأسدا
فضحك ، وقال : ألا قال ؟
علم الجود الندى حتى إذا . . . ما حكاه علم البأس الأسد
فله الجود مقرٌ بالندى . . . وله الليث مقرٌ بالجلد
وقال مسلم بن الوليد وهو مما يجوز إيراده في الشجاعة والكرم .
يجود النفس إن ضن الجواد بها . . . والجود بالنفس أقصى غاية الجود