كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 205 """"""
الرشيد : وقال له : يا ماص كذا وكذا من أمه أتهجو عمى ، وآثر خلق الله عندي ؟ لقد هممت أن أضرب عنقك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، والله لقد امتدحته بقصيدة ما قال أحد مثلها من الشعراء في أحد من الخلفاء ، ولقد بالغت في الثناء ، وأكثرت الوصف ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بإحضارها فعل ، فلما سمع الرشيد ذلك ، سكن غضبه ، وأحب أن ينظر في القصيدة ، فأمر العباس بإحضارها فتلكأ عليه ، فقال له الرشيد : سألتك بحق أمير المؤمنين ، إلا أمرت بإحضارها ؟ فأحضرت ، فإذا فيها القصيدة بعينها ، فاستحسنها واستجادها وأعجب بها ، وقال : والله ما قال أحد من الشعراء في أحد من الخلفاء مثلها ، ولقد صدق ربيعة فبر ، ثم قال العباس : كم أثبته عليها ؟ فسكت العباس ، وتغير لونه ، وغص بريقه ، فقال ربيعة : أثابني عنها يا أمير المؤمنين دينارين ، فتوهم الرشيد أنه قال ذلك من الموجدة عليه ، فقال : بحياتي يا رقي كم أثابك ؟ فقال : وحياتك يا أمير المؤمنين ما أثابني إلا بدينارين ، فغضب الرشيد غضبا شديدا ، ونظر في وجه العباس ، وقال : سوءة لك أية حال قعدت بك عن إثابته ؟ أقلة مال ؟ فوالله لقد نولتك جهدي ، أم انقطاع المال عنك ؟ فوالله ما انقطعت بك ، أم أصلك ؟ فهو الأصل الذي لا يدانيه شيء ، أم نفسك ؟ لا ذنب لي ، بل نفسك والله فعلت بك ذلك ، حتى فضحت أجدادك وفضحني ، وفضحت نفسك ، فنكس العباس رأسه ، ولم ينطق ، فقال الرشيد : يا غلام ، أعط ربيعة ثلاثين ألف درهم ، وخلعةً ، واحمله على بغلة ، ثم قال له : بحياتي لا تذكره في شيء من شعرك تعريضا ولا تصريحا ، وفتر الرشيد عما كان قد هم به من أن يتزوج إليه وأظهر له بعد ذلك جفاء واطراحا .
وقال محمد بن هانيء :
الواهب الألف إلا أنها بدرٌ . . . والطاعن الألف إلا أنها نسق
تأتي عطاياه شتى غير واحدة . . . كما تدافع موج البحر يصطفق
وقال الرضى الموسوي :
ريان والأيام ظمآنةٌ . . . من الندى نشوان بالبشر
لا يمسك العذل يديه ولا . . . تأخذ منه نشوة الخمر

الصفحة 205