كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 220 """"""
وقال بعض الحكماء : كل شيء يعز إذا قل ، والعقل كلما كان أكثر كان أعز وأغلى ، ولو بيع ، لما اشتراه إلا العاقل لمعرفته بفضله ، وأول شرف العقل أنه لا يشتري بالمال .
قال أبو عطاء السندي :
فإن العقل ليس له إذا ما . . . تذكرت الفضائل من كفاء
وقالوا : العلم قائد ، والعقل سائق ، والنفس بينهما حرون ، فإذا كان قائدٌ بلا سائقٍ هلكت ، وإن كان سائق بلا قائد أخذت يمينا وشمالا ، فإذا اجتمعا أجابت طوعا أو كرها .
ذكر ما قيل في حد العقل وما هيته وما وصف به
وقد اختلف الحكماء ، في حد العقل ، فقيل : حده الوقوف عند مقادير الأشياء قولا وفعلا ، وقيل : النظر في العواقب ، وقال المتكلمون : هو اسم لعلوم إذا حصلت للإنسان صح تكليفه . وقيل : العاقل من له رقيب على شهواته ، وقيل : هو من عقل نفسه عن المحارم ، وقال عمرو بن العاص : أن يعرف خير الخيرين ، وشر الشرين . قال أبو هلال : ومن العجب أن العرب تمثلت في جميع الخصال ، بأقوام جعلوهم أعلاما فيها ، فضربوا بها المثل إذا أرادوا المبالغة ، فقالوا : أحلم من الأحنف ، ومن قيس بن عاصم ، وأجود من حاتم ، ومن كعب بن مامة ، وأشجع من بسطام ، وأبي من سحبان ، وأرمي من ابن تقنٍ ، وأعلم من دغفل ، ولم يقولوا : أعقل من فلان ، فلعلهم لم يستكملوا عقل أحدٍ ، على حسب ما قال الأعرابي ، وقد قيل له : حد لا العقل ، فقال : كيف أحده ولم أره كاملا في أحدٍ قط .
وقيل لحكيم : ما جماع العقل ؟ فقال : ما رأيته مجتمعا في أحدٍ فأصفه ، وما لا يوجد كاملا فلا حد له .
وقالوا : لكل شيء غاية وحده ، والعقل لا غاية له ولا حد ، ولكن الناس يتفاوتون فيه كتفاوت الأزهار في الرائحة والطيب .