كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 221 """"""
واختلفوا في ماهية العقل ، كما اختلفوا في حده ، فقال بعضهم : هو نور وضعه الله تعالى طبعا وغريزةً في القلب ، كالنور في العين وهو البصر ، فالعقل نورٌ في القلب ، والبصر نورٌ في العين ، وهو ينقص ويزيد ، ويذهب ويعود ، وكما يدرك بالبصر شواهد الأمور ، كذلك يدرك بالعقل كثيرٌ من المحجوب والمستور ، وعمى القلب كعمى البصر ، قال تعالى : " فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور " .
وعن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " ليس الأعمى من عمى بصره ، ولكن من عميت بصيرته " .
وقال عبد الله بن عمر بن معاوية عن عمر بن عتبة المعروف بالعتبي : العقل عقلان ، عقلٌ تفرد الله تعالى بصنعه ، وهو الأصل ، وعقلٌ يستفيده المرء بأدبه وهو الفرع ، فاذا اجتمعا ، قوي كل واحدٍ منهما صاحبه ، تقوية النار في الظلمة للبصر .
نظم بعض الشعراء هذا اللفظ فقال ، ويروي لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه :
رأيت العقل عقلان . . . فمطبوعٌ ومسموع
ولا ينفع مسموعٌ . . . إذا لم يك مطبوع
كما لا تنفع الشمس . . . وضوء العين ممنوع
وأكثر الناس على أن العقل في القلب ، ودليله قوله عز وجل : " أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور " .
وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " العقل في القلب يفرق به بين الحق والباطل " .
وقال بعضهم : هو في الدماغ ، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه .
وأما ما وصف به فقيل : العقل وزير رشيد ، وظهير سعيد ، من عصاه أرداه ، ومن أعطاه أنجاه .
وقال سعيد بن جبير : لم تر عيناي أجل من فضل عقلٍ يتردى به الرجل إن انكسر جبره ، وإن تصدع أنعشه ، وإن ذل أعزه ، وإن اعوج أقامه ، وإن عثر اقاله ، وإن افتقر أغناه ، وإن عرى كساه ، وإن غوى أرشده وإن خاف أمنه ، وإن حزن أفرحه ،

الصفحة 221