كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 227 """"""
ومن وفاء العرب ، ما فعله هانيء بن مسعود الشيباني ، حتى جر ذلك يوم ذي قار ، وكان من خبره : أن النعمان بن المنذر لما خاف كسرى ، وعلم أنه لا منجأ منه ولا ملجأ ، رأى أن يضع يده في يده ، فأودع ماله وأهله عند هانيء ، ثم أتى كسرى فقتله ، وأرسل إلى هانيء يطالبه بوديعة النعمان ، وقال له : إن النعمان كان عاملي ، فابعث إلي بوديعته ، وإلا بعثت إليك بجنود تقتل المقاتلة وتسبي الذرية ، فبعث إليه هانيء : إن الذي بلغك باطل ، وإن يكن الأمر كما قيل ، فأنا أحد رجلين ، إما رجل استودع أمانة ، فهو حقيق أن يردها على من استودعه إياها ، ولن يسلم الحر أمانته ، أو رجل مكذوب عليه ، وليس ينبغي للملك أن يأخذه بقول عدو ، فبعث كسرى إليه الجنود ، وعقد لإياس بن قبيصة على جميع العرب ، وبعث معه الكتيبة الشهباء والأساورة ، فلما التقوا ، قام هانيء بن مسعود ، وحرض قومه على القتال ، وجرى بينهم حروب كثيرة ليس هذا موضع ذكرها ، وسنذكرها إن شاء الله في وقائع العرب ، فانتصر هانيء وانهزمت الفرس ، وكانت وقعة مشهورة ، قيل : وكان مرداس في سجن عبيد الله بن زياد بن أبيه ، فقال له السبحان : أنا أحب أن أوليك حسنة ، قال : فإن أذنت لك في الانصراف إلى دارك أفتدلج علي ؟ قال : نعم ، فكان يفعل ذلك به ، فلما كان ذات يوم ، قتل بعض الخوارج صاحب شرطة ابن زياد ، فأمر أن يتقل من في السجن من الخوارج ، وكان مرداس إذ ذاك خارجا ، فقال له أهله : اتق الله في نفسك ، فإنك مقتول إن رجعت ، فقال : ما كنت لألقى الله غادرا ، وهذا جبار ، ولا آمن أن يقتل السجان ، فرجع وقال للسجان : قد بلغني ما عزم صاحبك عليه من قتل أصحابنا ، فبادرت لئلا يلحقك منه مكروه ، فقال له السجان : خذ أي طريق شئت ، فانج بنفسك .
خرج سليمان بن عبد الملك ومعه يزيد بن المهلب إلى بعض جبابين الشام ، وإذا بامرأة جالسة عند قبر تبكي ، فجاء سليمان ينظر إليها ، فقال لها يزيد ، وقد عجب

الصفحة 227