كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 230 """"""
وقال أنس بن مالك : كان رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يعود المريض ويتبع الجنائز ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار ، ولقد رأيته يوم حنين على حمار ، خطامه ليف . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " إن العفو لا يزيد البعد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله ، وإن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة فتواضعوا يرفعكم الله ، وإن الصدقة لا تزيد المال إلا نماء فتصدقوا يزدكم الله " . وقال عروة ابن الزبير : التواضع أحد مصايد الشرف ، وفي لفظٍ " سلم الشرف " . وقال جعفر بن محمد : رأس الخير التواضع ، فقيل له : وما التواضع ؟ فقال : أن ترضى من المجلس بدون شرفك وأن تسلم على من لقيت ، وأن تترك المراء وإن كنت محقاً . وعن علي رضي الله عنه ولم يذكر المراء فيه وزاد فيه : وتكره الرياء والسمعة . وقيل : ثمرة القناعة الراحة ، وثمرة التواضع المحبة ، وقيل : التواضع نعمة لا يفطن لها الحاسد ، وقيل : التواضع كالوهدة يجتمع فيها قطرها وقطر غيرها .
وقال عبد الله بن المعتز : متواضع العلماء أكثرهم علما ، كما أن المكان المنخفض أكثر الأماكن ماءً .
وكان يحيى بن خالد يقول : لست أرى أحدا تواضع في إمارة إلا وهو في نفسه أكبر مما نال من سلطانه .
ومن التواضع المأثور ما روي : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر ويده على المعلى بن الجارود فلقيته امرأة من قريش ، فقالت له : يا عمر ، فوقف لها ، فقالت له : كنا نعرفك مرة عميرا ثم صرت بعد عميرٍ عمر ثم صرت بعد عمر أمير المؤمنين فاتق الله يا بن الخطاب ، فانظر في أمور الناس ، فإنه من خاف الوعيد ، قرب عليه البعيد ، ومن خاف الموت ، خشي الفوت ، فقال لها المعلى ، إيهاً ، إليك يا أمة الله لقد أبكيت أمير المؤمنين ، فقال له عمر أتدري من هذه ؟ ويحك هذه خولة بنت حكيم التي سمع الله قولها من سمائه ، فعمر أحرى أن يسمع قولها ويقتدي به . وقال

الصفحة 230