كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 237 """"""
ومن المنعمين من رأى أن الشكر بإظهار النعمة ، أبلغ منه بالنطق باللسان ، وعاقب على ذلك بالحرمان .
فمن ذلك ما رواه أبو هلال العسكري يسنده إلى العتبي قال : أراد جعفر بن يحيى حاجة كان طريقه إليها على باب الأصمعي ، فدفع إلى خادم له كيسا فيه ألف دينار وقال : إني سأنزل في رجعتي إلى الأصمعي ، ثم سيحدثني ويضحكني ، فإذا ضحكت ، فضع الكيس بين يديه ، فلما رجع ، ودخل إليه ، رأى حباً مكسور الرأس ، وجرةً مكسورة العنق ، وقصعة مشعبة ، وجفنة أعشارا ، ورآه على مصلًى بالٍ ، وعليه برنكان أجرد ، فغمز غلامه أن لا يضع الكيس بين يديه ، فلم يدع الأصمعي شيئا مما يضحك الثكلان والغضبان إلا أورده فلم يتبسم ، ثم خرج ، فقال لرجل يسايره : من استرعى الذئب ظلم ، ومن زرع السبخة حصد الفقر ، إني والله لما علمت أن هذا يكتم المعروف بالفعل ، ما حلفت بنشره له باللسان ، وأين يقع مديح اللسان من آثار العيان ؟ إن اللسان قد يكذب ، والحال لا يكذب ، ولله در نصيب حيث يقول :
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله . . . ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب
ثم قال : أعلمت أن ناووس أبرويز ، أمدح لأبرويز من زهير لآل سنان ؟ وقالت الحكماء : لسان الحال ، أصدق من لسان الشكوى .
وقد أجاد ابن الرومي في هذا المعنى فقال :
حالي تبوح بما أوليت من حسنٍ . . . فكل ما تدعيه غير مردود
كلي هجاء وقتلي لا يحل لكم . . . فما يداويكم مني سوى الجود
وقالوا : شهادات الأحوال ، أعدل من شهادات الرجال .