كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 239 """"""
قيل : كلم منصور بن زياد يحيى بن خالد في حاجة لرجل فقال : عده عني قضاءها ، قال : وما يدعوك أعزك الله إلى العدة مع وجود القدرة ؟ فقال يحيى : هذا قول من لا يعرف موضع الصنائع من القلوب ، إن الحاجة إن لم لتقدمها بوعد ينتظر به نجحها ، لم تتجاذب الأنفس بسرورها ، ولم تتلذذ بتأميلها ، وإن الوعد تطعم ، والإنجاز طعام ، وليس من فاجأه طعام ، كمن وجد رائحته ، وتمطق له وتطعمه ، ثم تطعمه ، فدع الحاجة تحتم بالوعد ، ليكون لها عند المصطنع إليه حسن موقع ، ولطف محل .
وقال عيسى بن ماهان : إني أحب أن أهب بلا وعد ، وأحب أن أعد ، لأخرج من جملة المخلفين ، وأدخل في عدد الوافين ، ويؤثر عني كرم المنجزين ، فإن من سبق فعله وعده ، وصف بكرم فرد ، وسقط عنه جميع ما ذكرت .
قال ذكر العباس المأمون فقال : إنه ألقح معروفه عندي بالوعد ، ونتجه بالنجح ، وأرضعه بالزيادة ، وشيبه بالتعهد ، وهرمه باستتمامه من جهاته ، وهنأه بترك الامتنان به .
وشكا رجل جعفر بن يحيى لأبيه : أنه وعد وعدا ومطله به ، فوقع : يا بني ، أنتم معاقل الأحرار ومظان المطالب ومعادن الشكوى ، فكونوا سواءً في الأقوال والأفعال ، فإن الحر ، يدخر وعد الحر ويعتقده وينفقه قبل ملكته ، فإن أخفق أمله ، كان سببا لذمه واتهامه وسوء ظنه ، حتى يواري قبح ذلك حسن يقينه ، فأنجز الوعد ، وإلا فأقصر القول ، فإنه أعذر والسلام .
قال : كلم المأمون في الحسين بن الضحاك الخليع أن يرد عليه رزقه ، فقال : أليس هو القائل في الأمين :
فلا فرح المأمون بالملك بعده . . . ولا زال في الدنيا طريداً مشردا

الصفحة 239