كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 242 """"""
وقال جعفر بن محمد الصادق : شفيع المذنب إقراره ، وتوبة المجرم الاعتذار .
وقالوا ما أذنب من اعتذر ، ولا أسى من استغفر .
وأوصى بعض الحكماء ولده فقال : يا بني لا يعتذر إليك أحد من الناس ، كائنا من كان ، في أي جرم كان ، صادقا كان أو كاذبا ، إلا قبلت عذره ، فكفاك بالاعتذار براً من صديقك ، وذلاً من عدوك .
قال بعض الشعراء :
فإن كنت ترجو في العقوبة راحة . . . فلا تزهدن عند التجاوز في الأجر
وقال أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري : الاعتذار ذلة ، ولا بد منه ، لأن الإصرار على الذنب ، فيما بينك وبين خالقك هلكةٌ ، وفيما بينك وبين صديقك فرقةٌ ، وعند سائر الناس مثلبةٌ وهجنةٌ ، فعليك به ، إذا واقعت الذنب ، وقارفت الجرم ، ولا تستنكف من خضوعك وتذللك فيه ، فربما استثير العز من تحت الذلة ، واجتني الشرف من شجرة النذلة ، ورب محبوبٍ في مكروه ، والمجد شهدٌ يجتني من حنظل .
قال : ومما خص به الاعتذار أن الحق لا يثبت لباطله ، والحقيقة لا تقوم مع تخييله وتمويهه ، وأن رده لا يسع مع الكذب اللائح في صفحاته . وقالوا : لا عذر في رد الاعتذار ، والمعتذر من الذنب ، كمن لا ذنب له ، وهذه خصلة لا يشركه فيها غيره . قال بعضهم : كنت بحضرة عبيد الله بن سليمان ، فوردت عليه رقعة من جعفر ابن توابة ، نسختها : قد فتحت للمظلوم بابك ، ورفعت عنه حجابك ، فأنا أحاكم الأيام إلى عدلك ، وأشكو صروفها إلى فضلك ، وأستجير من لؤم غلبتها بكرم قدرتك ، وحسن ملكتك ، فإنها تؤخرني إذا قدمت ، وتحرمني إذا قسمت ، فإن أعطت أعطت يسيرا ، وإن ارتجعت ارتجعت كثيرا ، ولم أشكها إلى أحد قبلك ، ولا أعددت الانتصاف منها إلا إلى فضلك ، ولي مع ذمام المسألة لك ، وحق الظلام إليك ، ذمام تأميلك ، وقدم صدقٍ في طاعتك ، والذي يملأ من النصفة يدي ، ويفرغ الحق علي ،

الصفحة 242