كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 243 """"""
حتى تكون لي محسنا ، وأكون بك إلى الأيام مقربا ، أن تخلطني بخواص خدمك الذين نقلتهم من حد الفراغ إلى الشغل ، ومن الخمول إلى النباهة والذكر ، فإن رأيت أن تعذبني فقد استعديت إليك ، وتنصرني فقد عذت بك ، وتوسع لي كنفك فقد أويت إليه ، وتسمني بإحسانك فقد عولت عليه ، وتستعمل يدي ولساني فيما يصلحان له من خدمتك ، فقد درست كتب أسلافك وهم القدوة في البيان ، واستضأت بآرائهم ، واقتفوت آثارهم اقتفاءً جعلني بين وحشي الكلام وأنيسه ، ووقفني منه على جادةٍ متوسطةٍ ، يرجع إليها العالي ، ويلحق بها المقصر التالي ، فعل إن شاء الله . قال : فعل إن شاء الله قال : فجعل عبيد الله يرددها ويستحسنها ، ثم قال : هذا أحق بديوان الرسائل .
ومن الاستعطاف : ما حكي أن محمد بن الحنفية ، جرى بينه وبين أخيه الحسين ، كلام افترقا بسببه متغاضبين ، فلما وصل محمد إلى منزله ، كتب إلى الحسين رقعة فيها : بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد ، فإن لك شرفا لا أبلغه ، وفضلا لا أدركه ، أبونا عليٌّ ، لا أفضلك فيه ولا تفضلني ، وأمي امرأة من بني حنيفة ، وأمك فاطمة بنت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) ، ولو كان ملء الأرض نساءً مثل أمي ما وفين بأمك ، فإذا قرأت رقعتي هذه فالبس رداءك ونعليك وتعال لتترضاني ، وإياك أن أسبقك إلى هذا الفضل الذي أنت أولى به مني والسلام . فلبس الحسين رداءه ونعليه وجاء إلى محمد وترضاه .
وقيل : وقع جعفر بن يحيى في رقعة معتذرا : قد تقدمت طاعتك ونصيحتك ، فإن ثبت منك هفوة فلن تغلب سيئةٌ حسنتين .
وقال شاعر :
إرض للسائل الخضوع وللقا . . . رف ذنباً مذلة الإعتذار
قال أبو هلال العسكري : لم يرو عن أحد النابغة الذبياني في الاعتذار شعر ، فمن أجود ما روي له فيه ، قوله حين سعى به المنخل