كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 250 """"""
فمن ذلك ما قاله أحمد بن يوسف الكاتب في بني سعيد بن مسلم بن قتيبة : محاسنهم مساويء السفل ، ومساوئهم فضائح الأمم ، وألسنتهم معقودة بالعي ، وأيديهم معقولة بالبخل ، وأعراضهم أعراض الذم ، فهم كما قيل :
لا يكثرون وإن طالت حياتهم . . . ولا تبيد مخازيهم وإن بادوا
وذم أعرابي قوما فقال : هم أقل الناس ذنوبا إلى أعدائهم ، وأكثرهم تجرؤا على أصدقائهم ، يصومون عن المعروف ، ويفطرون على الفحشاء .
وذم أعرابي قوما فقال : قوم سلخت أقفاؤهم بالهجاء ، ودبغت جلودهم باللؤم ، فلباسهم في الدنيا الملامة ، وفي الآخرة الندامة . وكان عيسى بن فرخان شاه يتيه على أبي العيناء حال وزارته ، فلما صرف عن الوزارة لقي أبا العيناء في بعض السكك فسلم عليه سلاما خفيفا ، فقال أبو العيناء لقائده : من هذا ؟ قال : أبو موسى ، فدنا منه حتى أخذ بعنان بغلته وقال : لقد كنت أقنع بإيمائك دون بنانك ، وبلحظك دون لفظك ، الحمد لله على ما آلت إليه حالك ، فلئن كانت أخطأت فيك النعمة ، لقد أصابت فيك النقمة ، ولئن كانت الدنيا أبدت صفحاتها بالإقبال عليك ، لقد أظهرت محاسنها بالإدبار عنك ، ولله المنة إذا أغنانا عن الكذب عليك ، ونزهنا عن قول الزور فيك ، وقد والله أسأت حمل النعمة ، وما شكرت حق المنعم ، ثم أطلق يده من عنانه ، ورجع إلى مكانه فقيل له : يا أبا عبد الله لقد بالغت في السب ، فما كان الذنب ؟ قال : سألته في حاجة أقل من قيمته ، فردني عنها بأقبح من خلقته .
قال بعض الأعراب : نزلت بذاك الوادي فإذا ثياب أحرار على أجسام عبيد ، إقبال حظهم ، إدبار حظ الكرام ، ألم بهذا المعنى شاعر فقال :
أرى حللاً تصان على رجال . . . وأعراضاً تذال ولا تصان
يقولون الزمان به فسادٌ . . . وهم فسدوا وما فسد الزمان