كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 269 """"""
أو غن صوتا تشجي النفوس به . . . وذنب ما قد أتيت مغتفر
فإن تكن قد جهلت ذاك وذا . . . ففيك للناظرين معتبر
ذكر ما قيل في السعاية والبغي والغيبة والنميمة
قال الله تعالى : " يأيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم " . وقال تعالى : " ثم بغي عليه لينصرنه الله " . وقال تعالى : " همازٍ مشاءٍ بنميمٍ مناعٍ للخير معتدٍ أثيمٍ عتل بعد ذلك زنيمٍ " . وقال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يرفعن إلينا عورة أخيه المؤمن " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " لا يراح القتات رائحة الجنة " . وفي لفظٍ " لا يدخل الجنة قتاتٌ " ، والتات : النمام .
قال بعض الشعراء : فلا تسعى على أحد ببغيٍ . . . فإن البغي مصرعه وخيم
وقال العتابي :
بغيت فلم تقع إلا صريعاً . . . كذاك البغي مصرع كل باغي
وسأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة . فقال لأصحابه : إذا شئتم ، فقاموا ، فلما تهيأ الرجل للكلام ، قال له : إياك أن تمدحني فإني أعلم بنفسي منك ، أو تكذبني ، فإنه لا رأى لكذوب ، أو تسعى إلي بأحد ، وإن شئت أقلتك ، قال : أقلني .
قال : ولما ولي عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك دمشق ، ولم يكن في بني أمية ألب منه في حداثة سنه ، قال أهل دمشق : هذا غلام شابٌ ، ولا علم له بالأمور ، وسيسمع منا ، فقام إليه رجل ، فقال : أصلح الله الأمير ، عندي نصيحةٌ ، فقال له : يا ليت شعري ، ما هذه النصحية التي ابتدأتني بها من غير يدٍ سبقت مني إليك ؟ فقال : جارٌ لي عاصٍ ، متخلف عن ثغره ، فقال له : ما اتقيت الله ، ولا أكرمت أميرك ، ولا حفظت جوارك ، إن شئت ، نظرنا فيما تقول ، فإن كنت صادقا ، لم ينفعك ذلك عندنا ، وإن كنت كاذبا ، عاقبناك ، وإن شئت ، أقلناك ، قال : أقلني ، قال : اذهب حيث شئت ، لا صحبك الله ، ثم قال : يا أهل دمشق ، ما أعظمتم ما جاء به الفاسق ، إن السعاية أحسب منه سجيةً ، ولولا أنه لا ينبغي للوالي أن يعاقب ، قبل أن يعاتب ، كان لي فيه رأيٌ ، فلا يأتني أحد منكم بسعاية على أحد ، فإن الصادق فيها فاسق ،

الصفحة 269