كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 270 """"""
والكاذب بهاتٌ . وسعى رجل برجل إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، فقال : إن شئت نظرنا في أمرك ، فإن كنت كاذبا ، فأنت من هذه الآية : " إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ " . وإن كنت صادقا ، فأنت من هذه الآية : " همازٍ مشاءٍ بنميمٍ " . وإن شئت عفونا عنك ، قال : العفو يا أمير المؤمنين ، قال : على أن لا تعود .
وكتب محمد بن خالد إلى ابن الزيات : إن قوما صاروا إلي متنصحين ، فذكروا أن رسوما للسلطان قد عفت ودرست ، وأنه توقف عن كشفها إلى أن يعرف موقع رأيه فيها ، فوقع على رقعته : قرأت هذه الرقعة المذمومة ، وسوق السعاة مكسدٌ عندنا ، وألسنتهم تكل في أيامنا ، فاحمل الناس على قانونك ، وخذهم بما في ديوانك ، فلم ترد للناحية لكشف الرسوم العافية ، ولا لتحيي الأعلام الداثرة ، وجنبني وتجنب قول جرير :
وكنت إذا حللت بدار قوم . . . رحلت بخزية وتركت عارا
قالوا : وكان الفضل بن يحيى يكره السعاة ، فإذا أتاه ساع ، قال له : إن صدقتنا ، أبغضناك ، وإن كذبتنا ، عاقبناك ، وإن استقلتنا ، أقلناك .
وحكي صاحب العقد قال : قال العتبي ، حدثني أبي عن سعيد القصري ، قال : نظر إلي عمرو ابن عنبة ورجل يشتم بين يدي رجلا ، فقال لي : ويلك ، وما قال لي ويلك قبلها : نزه سمعك عن استماع الخنا ، كما تنزه لسانك عن الكلام به ، فإن السامع شريك القائل ، وإنه عمد إلى شر ما في وعائه ، فأفرغه في وعائك ، ولو ردت كلمة جاهل في فيه ، لسعد رادها ، كما شقي قائلها ، وقد جعله الله تعالى شريك القائل ، فقال : " سماعون للكذب أكالون للسحت " .
الغيبة والنميمة ، روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " إذا قلت في الرجل ما فيه فقد اغتبته وإذا قلت ما ليس فيه فقد بهته " .
اغتاب رجل رجلا عند قتيبة بن مسلم ، فقال له : أمسك عليه أيها الرجل والله لقد تلمظت بمضغة طالما لفظتها الكرام .