كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 271 """"""
وذكر في مجلسه رجل ، فنال منه بعض جلسائه ، فقال له : يا هذا أوحشتنا من نفسك ، وأيأستنا من مودتك ، ودللتنا على عورتك .
واغتاب رجل عند بعض الأشراف ، فقال له : قد استدللت على كثرة عيوبك ، بما تذكر من عيب الناس ، لأن الطالب للعيوب ، إنما يطلبها بقدر ما فيه منها ، أما سمعت قول الشاعر :
لا تهتكن من مساوى الناس ما ستروا . . . فيهتك الله سترا من مساويكا
واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا . . . ولا تعب أحدا منهم بما فيكا
وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أذكر أخاك إذا غاب عنك بما تحب أن يذكرك به ، ودع منه ما تحب أن يدع منك .
وقال بعض الملوك لولده وهو ولي عهده : يا بني ليكن أبغض رعيتك إليك ، أشدهم كشفا لمعايب الناس عندك ، فإن في الناس معايب وأنت أحق بسترها ، وإنما تحكم فيما ظهر لك ، والله يحكم فيما غاب عنك ، واكره للناس ما تكرهه لنفسك ، واستر العورة ، يستر الله عليك ، ما تحب ستره ، ولا تعجل إلى تصديق ساع ، فإن الساعي غاشٌ ، وإن قال قول نصحٍ . ووشي واشٍ برجل إلى الإسكندر فقال له : أتحب أن نقبل منك ما قلت فيه ، على أن نقبل منه ما يقول فيك ؟ قال : لا ، قال : فكف عن الشر ، نكف عنك .
وقال ذو الرياستين : قبول النميمة ، شرٌ من النميمة ، لأن النميمة دلالة ، والقبول إجازة ، وليس من دل على شيء ، كمن قبله وأجازه .
قال أبو الأسود الدؤلي :
لا تقبلن نميمةً بلغتها . . . وتحفظن من الذي أنباكها
إن الذي أهدى إليك نميمةً . . . سينم عنك بمثلها قد حاكها