كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 276 """"""
إليه كيف خرج مذموما مدحورا ثم التفت إلى وارثه ، فقال : أيها الوارث لا تخدعن كما خدع صويحبك بالأمس ، أتاك هذا المال حلالا ، فلا يكونن عليك وبالا ، أتاك عفوا صفوا ، ممن كان له جموعا منوعا ، من باطل جمعه ، ومن حق منعه ، قطع فيه لجج البحار ، ومفاوز القفار ، ولم تكدح لك فيه عينٌ ولم يعرق لك فيه جبين ، إن يوم القيامة يوم ذو حسرات ، وإن من أعظم الحسرات غدا ، أن ترى مالك في ميزان غيرك ، فيالها حسرة لا تقال ، وتوبة لا تنال .
ومن أخبار البخلاء : قيل : بخلاء العرب أربعة ، الحطيئة ، وحميد الأرقط ، وأبو الأسود الدؤلي وخالد بن صفوان ، ونقلت عنهم أمور دلت على بخلهم .
أما الحطيئة : فقد حكي عنه : أنه مر به ابن الحمامة ، وهو جالس بفناء بيته ، فقال له : السلام عليكم ، فقال : قلت ما لا ينكر ، فقال : إني خرجت من أهلي بغير زاد ، قال : ما ضمنت لأهلك قراك ، قال : أفتأذن لي أن آتي بظل بيتك فأتفيأ به ؟ قال : دونك الجبل يفيء عليك ، قال أنا ابن الحمامة ، قال : انصرف وكن ابن أي طائر شئت . قال : واعترضه رجل وهو يرعى غنما ، فقال له : يا راعي الغنم ، وكان بيد الحطيئة عصاً فرفعها ، وقال : عجراء من سلم ، فقال الرجل : إنما أنا ضيف ، فقال : للأضياف أعددتها . وكان الحطيئة أحد الحمقى ، أوصى عند موته ، أن يحمل على حمار ، وقال : لعلي إن حملت عليه ، لا أموت ، فإني ما رأيت كريما مات عليه قط وقال : لكل جديد لذيذ إلا جديد الموت فإني رأيته غير لذيذ . وقيل له : أوص ، فقال : أوصي أن مالي للذكور دون الإناث ، قالوا : فإن الله ليس يقول كذلك ، قال : لكني أقوله . وقالوا له : قل لا إله إلا الله ، فقال : أشهد أن الشماخ أشعر غطفان .
ومن أخباره : أن الزبرقان بن بدر ، لقيه في سفر ، فقال له : من أنت ؟ فقال : أنا حسبٌ موضوع ، أنا أبو مليكة ، فقال له الزبرقان : إني أريد وجهاً ، فصر إلى منزلي ،