كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 277 """"""
وكن هناك ، حتى أرجع ، فصار الحطيئة إلى امرأة الزبرقان ، فأنزلته وأكرمته ، فحسده بنو عمه ، وهم بنو لأيٍ ، فقالوا للحطيئة : إن تحولت إلينا ، أعطيناك مائة ناقةٍ ، ونشد إلى كل طنب من أطناب بيتك حلةً تحويه ، وقالوا لامرأة الزبرقان : إن الزبرقان إنما قدم هذا الشيخ ليتزوج بنته ، فقدح ذلك في نفسها ، فلما أراد القوم النجعة ، تخلف الحطيئة ، فتغافلت عنه امرأة الزبرقان ، فاحتمله القريعيون ووفوا له بما قالوا ، فمدحهم ، وهجا الزبرقان ، فقال :
أزمعت يأساً مبيناً من نوالكم . . . ولا يرى طاردا للحر كاليأس
دع المكارم لا ترحل لبغيتها . . . واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه . . . لا يذهب العرف بين الله والناس
فاستعدى الزبرقان عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فحكم عمر ، حسان ابن ثابت ، فقال حسان : ما هجاه ولكن سلح عليه ، فحبس عمر الحطيئة ، فقال يستعطفه :
ماذا تقول لأفراخٍ بذي مرخٍ . . . حمر الحواصل لا ماءٌ ولا شجر ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة . . . فاغفر عليك سلام الله يا عمر
ما آثروك بها إذ قدموك لها . . . لكن لأنفسهم كانت بك الآثر
فأخرجه عمر ، وجلس على كرسي ، وأخذ بيده شفرة ، وأوهم أنه يريد قطع لسانه ، فضج ، وقال : إني والله يا أمير المؤمنين قد هجوت أبي وأمي وآمرأتي ونفسي ، فتبسم عمر ، ثم قال : ما الذي قلت ؟ قال : قلت لأبي وأمي :
ولقد رأيتك في النساء فسؤتني . . . وأبا بنيك فساءني في المجلس
وقلت لأبي خاصة :
فبئس الشيخ أنت لدى تميم . . . وبئس الشيخ أنت لدى المعالي