كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 279 """"""
ونزل به أضياف ، فأطعمهم تمرا وهجاهم ، وادعي عليهم أنهم يأكلونه بنواه ، فقال :
باتوا وجلتنا الصهباء حولهم . . . كأن أظفارهم فيها السكاكين
فأصبحوا والنوى ملقى معرسهم . . . وليس كل النوى ألقى المساكين
وأما خالد بن صفوان : فكان إذا أخذ جائزته ، قال للدرهم : طالما سرت في البلاد ، أما والله لأطيلن حبسك ، ولأديمن لبثك . وقيل له : مالك لا تنفق ، فإن مالك عريض ؟ فقال : الدهر أعرض منه ، قيل : كأنك تؤمل أن تعيش الدهر كله ، قال : ولا أخاف أن أموت في أوله .
وأما أبو الأسود الدؤلي : فعمل دكانا عاليا يجلس عليه ، فكان ربما أكل عليه فلا يناله المجتاز ، فمر به أعرابي على جمل ، فعرض عليه أن يأكل معه ، وظن أنه لا يناله ، فأناخ الأعرابي بعيره ، حتى وازى الدكان ، وأكل معه ، فما جلس بعد ذلك على الدكان ، وكان يقول : لو أطعنا المساكين في أموالنا ، كنا أسوأ حالا منهم ، وقال لبنيه : لا تطمعوا المساكين في أموالكم ، فإنهم لا يقنعون منكم ، حتى يروكم في مثل حالهم . ووقف عليه أعرابي وهو يتغدى ، فسلم عليه ، فرد عليه ، ثم أقبل على الأكل ، ولم يعرض عليه ، فقال الأعرابي : أما إني قد مررت بأهلك ، قال : كان ذلك طريقك ، قال : وهم صالحون ، قال : كذلك فارقتهم ، قال : وامرأتك حبلى ، قال : كذلك كان عهدي بها ، قال : ولدت ، قال : ما كان بدٌ لها أن تلد ، قال : ولدت غلامين ، قال : كذلك كانت أمها ، قال : مات أحدهما ، قال : ما كانت تقوى على رضاع اثنين ، قال : ثم مات الآخر ، قال : ما كان ليبقى بعد أخيه ، قال : وماتت الأم ، قال : جزعاً على ولديها ، قال : ما أطيب طعامك قال : ذلك جزائي على أهله ، اف لك ما ألأمك قال : من شاء سب صاحبه . ونظير هذه الحكاية : ما حكي أن أعرابياً مر بآخر ، فقال : من أين أقبلت يا بن عم ؟ قال : من الثنية ، قال : فهل أتيتنا منها بخبر ؟ قال : سل عما بدا لك ، قال : كيف علمك بيحيى ؟ قال : أحسن العلم ، قال : هل لك علم بكلبي نفاع ؟ قال : حارس