كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 281 """"""
وقال سلم بن أبي المعافي : كان أبي متنحياً عن المدينة ، وكان إلى جنبه مزرعة فيها قثاء ، وكنت صبيا فجاءني صبيان أقران لي ، فكلمت أبي ليهب لي درهما أشتري لهم به قثاء ، فقال لي : أتعرف حال الدرهم ؟ كان في حجر في جبل ، فضرب بالمعاول ، حتى استخرج ، ثم طحن ، ثم أدخل القدر وصب عليه الماء ، وجمع بالزئبق ، ثم صفى من رق ، ثم أدخل النار فسبك ، ثم أخرج فضرب ، وكتب في أحد شقيه : لا إله إلا الله ، وفي الآخر : محمد رسول الله ، ثم حمل إلى أمير المؤمنين ، فأمر بإدخاله بيت ماله ، ووكل به عوج القلانس صهب السبال ، ثم وهبه لجارية حسناء جميلة ، وأنت والله أقبح من قردٍ ، أو ززقه رجلا شجاعا وأنت والله أجبن من صرد ، فهل ينبغي لك أن تمس الدرهم إلا بثوب ؟ ومثله قول سهل بن هارون ، وقد قال له رجل : هبني ما لا مرزئة عليك فيه ، قال : وما ذاك ؟ قال : درهما واحدا ، قال : يا بن أخي لقد هونت الدرهم ، وهو طابع الله في أرضه ، والدرهم ويحك عشر العشرة ، والعشرة عشر المائة ، والمائة عشر الألف ، والألف عشر دية المسلم ، ألا ترى يا بن أخي كيف انتهى الدرهم الذي هونته ؟ وهل بيوت الأموال إلا درهم على درهم ؟ وقال سليمان بن مزاحم ، وقد وقع بيده درهم ، فجعل يقلبه ، ويقول : في شق ، لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وفي شق ، قل هو الله أحد ، ما ينبغي لهذا إلا أن يكون تعويذاً أو رقية ، ويرمي به في الصندوق .
كان بعضهم إذا صار الدرهم في يده يخاطبه ويقول : بأبي وأمي أنت ، كم من أرضٍ قطعت ، وكيس خرقت ، وكم من خامل رفعت ، ومن رفيعٍ أخملت ، لك عندي أن لا تعري ولا تضحي ، ثم يلقيه في كيسه ، فيقول : اسكن على اسم الله ، في مكان لا تزول عنه ، ولا تزعج منه . ومن البخلاء مزبد وله حكايةٌ نذكرها ، قيل : كان بالمدينة جارية جميلة مغنيةٌ ، يقال لها : بصبص وكانت الأشراف تجتمع عند مولاها ، فاجتمع يوما عنده

الصفحة 281