كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 283 """"""
يشترون نقلا ولا ريحانا ، كأني بك وفي جيبك درهم وأنت تقول : الساعة أخرجه ، وأعطيها إياه ، وتشتري به ما تريد ، فقام من جنبها وقال : أخطأت استك الحفرة ، وانقطع عنك الوحي ، ووثب وجلس ناحية ، فانتبه القوم وعطعطوا عليها وعلموا أن حيلتها لم تتم ، وخرج من عندهم ولم يعد إليهم .
وقال بعضهم : بت عند رجل من أهل الكوفة من الموسرين ، وله صبيان نيام ، فرأيته في الليل يقوم فيقلبهم من جنب إلى جنب ، فلما أصبحنا سألته عن ذلك ، فقال : هؤلاء الصبيان يأكلون وينامون على اليسار ، فيمريهم الطعام ، ويصبحون جياعا ، فأنا أقلبهم من اليسار إلى اليمين لئلا ينهضم ما أكلوه سريعا .
وكان زياد بن عبد الله الحارثي واليا على المدينة ، وكان فيه بخلٌ وجفاء ، فأهدى إليه كاتب له سلالاً فيها أطعمةٌ ، وقد تنوق فيها فوافته وقد تغدى ، فقال : ما هذه ؟ قالوا : غداء بعثه فلان الكاتب ، فغضب ، وقال : يبعث أحدهم الشيء في غير وقته ، يا خيثم بن مالك يريد صاحب شرطته ، ادع لي أهل الصفة يأكلون هذا ، فبعث خيثم الحرس يدعونهم ، فقال الرسول الذي جاء بالسلال : أصلح الله الأمير ، لو أمرت بهذه السلال تفتح وينظر ما فيها ، قال : اكشفوها فإذا طعام حسن من دجاجٍ وفراخ وجداءٍ وسمك وأخبصة وحلواء فقال : ارفعوا هذه السلال ، وجاء أهل الصفة ، فأخبر بهم ، فأمر بإحضارهم ، وقال : يا خيثم اضربهم عشرة أسواط ، فإنه بلغني أنهم يفسون في مسجد رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) .
ومن الخلفاء من ينسب إلى البخل ، فمنهم عبد الملك بن مروان كان يلقب برتح الحجر ولبن الطير لبخله .
ومنهم هشام ابنه وكان ينظر في بيع الهدايا التي تهدي إليه . حكي عنه أن أعرابياً أكل عنده فرفع اللقمة إلى فيه ، فقال له هشام : في لقمتك شعرة يا أعرابي ، فقال : وإنك تلاحظني ملاحظة من يرى الشعرة ، والله لا أكلت عندك أبدا ، ثم قام وانصرف . ومنهم أبو جعفر المنصور كان يلقب بأبي الدوانيق ، لقب بذلك لأنه لما بني مدينة بغداد كان يباشرها بنفسه ويحاسب الصناع ، فيقول لهذا : أنت نمت القائلة ،