كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 284 """"""
ولهذا : لم تبكر ، ولهذا : انصرفت قبل أن تكمل اليوم ، فيسقط لهذا دانقا ، ولهذا دانقين ، فلا يكاد يعطي لأحد أجرةً كاملة ، وكان يقول : يزعمون أني بخيل ، وما أنا ببخيل ، ولكن رأيت الناس عبيد المال ، فمنعتهم عنه ، ليكونوا عبيدا لي . ويحكي عنه أنه قال لطباخه : لكم ثلاثة وعليكم اثنتان ، لكم الرءوس والأكارع والجلود ، وعليكم الحبوب والتوابل . ومن حكاياته الدالة على بخله : أن صاحبه الربيع بن يونس قال له يوما : يا أمير المؤمنين ، إن الشعراء ببابك وهم كثير ، وقد طالت أيامهم ونفدت نقفاتهم ، فقال : اخرج إليهم وسلم عليهم ، وقل لهم من مدحنا منكم فلا يصف الأسد ، فإنما هو كلب من الكلاب ، ولا الحية ، فإنما هي دويبة منتنة تأكل التراب ، ولا الجبل فإنه حجر أصم ، ولا البحر ، فإنه عطن بض لجبٌ ، فمن ليس في شعره شيء من هذا فليدخل ، ومن كان في شعره شيءٌ منه فلينصرف ، فأبلغهم فانصرفوا كلهم إلا إبراهيم بن هرمة فقال : أنا له يا ربيع فأدخلني عليه : فأدخله ، فلما مثل بين يديه ، قال له : يا ربيع قد علمت أنه لا يجيبك غيره فأنشده قصيدته التي منها :
له لحظات في حفافي سريره . . . إذا كرها فيها عقاب ونائل
فأم الذي أمنت آمنة الردى . . . وأم الذي خوفت بالثكل ثاكل
فرفع له الستر وأقبل عليه وأصغى إليه ، فلما فرغ من إنشاده أمر له بعشرة آلاف درهم وقال له : يا إبراهيم ، لا تتلفها طمعا في نيل مثلها منا ، فما كل وقت تصل إلينا ، فقال إبراهيم : ألقاك يا أمير المؤمنين يوم القيامة وعليها الجهبذ .
ودخل المؤمل بن أميل على المهدي وكان بالري ، وهو إذ ذاك ولي عهد أبيه المنصور ، فامتدحه بأبيات يقول فيها :
هو المهدي إلا أن فيه . . . مشابه صورة القمر المنير
تشابه ذا وذا فهما إذا ما . . . أنارا يشكلان على البصير