كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 291 """"""
وقيل : إن لقمان الحكيم ، قال لابنه : يا بني ، أوصيك باثنتين لن تزال بخير ما تمسكت بهما : درهمك لمعاشك ، ودينك لمعادك .
وقال أبو الأسود : إمساكك ما تبذل ، خير من طلبك ما يبذل غيرك ، وأنشد :
يلومونني في البخل جهلاً وضلةً . . . وللبخل خيرٌ من سؤال بخيل
ونظيره قول المتلمس : وحبس المال أيسر من بغاه . . . وضرب في البلاد بغير زاد
وإصلاح القليل يزيد فيه . . . ولا يبقى الكثير مع الفساد
وقال الجاحظ : قلت للحزامي : يا بخيل قال : لا أعدمني الله هذا الاسم ، لأنه لا يقال لي : بخيل إلا وأنا ذو مال فسلم لي المال ، وسمني بأي اسم شئت ، قلت : ولا يقال لك : سخي ، إلا وأنت ذو مال ، فقد جمع الله لهذا الاسم المال والحمد ، وجمع لذاك المال والذم ، فقال : بينهما فرق عجيب ، وبون بعيد ، إن في قولهم : بخيل ، سببا لمكث المال في ملكي ، وفي قولهم : سخي ، سببا لخروجه عن ملكي ، واسم البخل فيه حزم وذم واسم السخاء فيه تضييع وحمد ، وما أقل غناء الحمد عنه إذا جاع بطنه وعري ظهره وضاع عياله وشمت به عدوه .
وقال محمد بن الجهم : من شأن من استغنى عنك ، أن لا يقيم عليك ، ومن احتاج إليك أن لا يزول من عندك ، ومن حبك لصديقك وضنك بمودته أن لا تبذل له ما يغنيه عنك ، وأن تتلطف له فيما يحوجه إليك .
وقد قيل في مثل هذا : " أجع كلبك يتبعك ، وسمنه يأكلك " ، فمن أغنى صديقه فقد أعانه على الغدر ، وقطع أسباب الشكر ، والمعين على الغدر شريك للغادر ، كما أن المزين للفجور شريكٌ للفاجر .
وقال أبو حنيفة : لا خير فيمن لا يصون ماله ليصون به عرضه ، ويصل به رحمه ويستغني به عن لئام الناس ، قال عبد الله بن المعتز :
أعاذل ليس البخل مني سجيةً . . . ولكن وجدت الفقر شر سبيل
لموت الفتى خيرٌ من البخل للفتى . . . وللبخل خيرٌ من سؤال بخيل

الصفحة 291