كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 292 """"""
وكان داود بن علي يقول : لأن يترك الرجل ماله لأعدائه ، خيرٌ من الحاجة في حياته لأوليائه ، قال الشاعر :
مالٌ يخلفه الفتى . . . للشامتين من العدا
خير له من قصده . . . إخوانه مسترفدا
وقال سفيان الثوري : لأن أخلف عشرة آلاف درهم أحاسب عليها ، أحب إلي من أن أحتاج إلى الناس ، وقال : كان المال فيما مضى يكره ، وأما اليوم فهو يزين المؤمن ، وجاءه رجل فقال له : يا أبا عبد الله ، تمسك هذه الدنانير فقال : اسكت ، فلولاها لتمندلتنا هؤلاء الملوك ، ولكن من كان في يده منها شيء فليصلحه ، فإنه زمانٌ من احتاج فيه كان أول ما يبذل دينه .
وقال المنصور لمحمد بن مروان التميمي : إنك لسيد لولا جمودٌ فيك ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إني لأجمد في الحق ، ولا أذوب في الباطل .
وكان محمد بن الجهم يقول : من وهب من عمله ، فهو أحمق ، ومن وهب بعد العزل ، فهو مجنون ، ومن وهب من جوائز ملوكه أو ميراثه ، فهو مخذول ، ومن وهب من كسبه وما استفاده بحيلة ، فهو المطبوع على قلبه ، المأخوذ ببصره وسمعه .
وسأل رجل زياد بن أبيه ، فأعطاه درهما ، فقال : صاحب العراقين أسأله فيعطيني درهما ؟ فقال له زياد : من بيده خزائن السموات والأرض ربما رزق أخص عباده عنده وأكرمهم لديه التمرة واللقمة ، وما يكبر عندي أن أصل رجلا بمائة ألف درهم ، ولا يصغر أن أعطي سائلا رغيفا ، إن كان رب العالمين فعل ذلك . قال

الصفحة 292