كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 294 """"""
ذلك ما قال العبد الصالح لقومه : وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب . فما كان أحقكم في كريم حرمتنا بكم أن ترعوا حق قصدنا بذلك إليكم ، على ما رعيناه من واجب حقكم ، فلا العذر المبسوط بلغتم ، ولا بواجب الحرمة قمتم ، ولو كان ذكر العيوب براً وفخرا ، لرأينا في أنفسنا عن ذلك شغلا ، عبتموني بقولي لخادمي : أجيدي العجين فيكون أطيب لطعمه ، وأزيد في ريعه ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أملكوا العجين فإنه أحد الريعين ، وعبتموني حين ختمت على سل عظيم ، وفيه شيء ثمين من فاكهة نفيسة ، ومن رطبة غريبة ، على عبدٍ نهمٍ ، وصبي جشع ، وأمه لكعاء ، وزوجة مضيعة ، وليس بين أهل الأدب ، ولا في ترتيب الحكم ، ولا في عادات القادة ، ولا في تدبير السادة ، أن يستوي في نفيس المأكول ، وغريب المشروب ، وثمين الملبوس ، وخطير المركوب التابع والمتبوع ، والسيد والمسود ، كما لا تستوي مواضعهم في المجالس ، ومواقع أسمائهم في العنوانات ، ومن شاء أطعم كلبه الدجاجة السمينة ، وعلف حماره السمسم المقشر ، وعبتموني بالختم ، وقد ختم بعض الأئمة على مد سويق ، وختم على كيس فارغ ، وقال طينة خير من ظنه ، فأمسكتم عمن ختم على لا شيء ، وعبتم على من ختم على شيء ، وعبتموني أيضا ، أن قلت للغلام : إذا زدت في المرق ، فزد في الإنضاج ، ليجتمع مع التأدم باللحم طيب المرق ، وقال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " إذا طبخ أحدكم لحما ، فليزد من الماء ، فمن لم يصب لحما أصاب مرقا " . وعبتموني بخصف النعل ، وبتصدير القميص ، وحين زعمت أن المخصوفة من النعل أبقى وأقوى وأشبه بالنسك ، وأن الترفيع من الحزم ، والتفريق من التضييع ، والاجتماع مع الحفظ ، وقد كان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يخصف نعله ، ويرقع ثوبه ، ويلطع أصابعه ، ويقول : " لو أهدي إلى كراع لقبلت ، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت " . وقال ( صلى الله عليه وسلم ) : " من لم يستحي من الخلال ، خفت مؤنته ، وقل كبره " . وقالت الحكماء : لا جديد لمن لم يلبس الخلق ، وبعث زياد رجلا يرتاد له محدثا ، واشترط عليه أن يكون عاقلا ، فأتاه به موافقا ، فقال له : أكنت به ذا معرفة ؟ قال : لا ، ولكني