كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 295 """"""
رأيته في يوم قائظ ، يلبس خلقا ، ويلبس الناس جديدا ، فتفرست فيه العقل والأدب ، وقد علمت أن الخلق في موضعه ، مثل الجديد في موضعه ، وقد جعل الله لكل شيء قدراً ، وسمي له موضعا ، كما جعل لكل زمان حالا ، ولكل مقام مقالا ، وقد أحيا الله بالسم ، وأمات بالغذاء ، وأغص بالماء ، وقتل بالدواء ، وقد زعموا أن الإصلاح أحد الكاسبين ، كما زعموا أن قلة العيال أحد اليسارين ، وقد جبر الأحنف بن قيس يد عنز وأمر مالك بن أنس بفرك البعر ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : من أكل بيضة فقد أكل دجاجة ، ولبس سالم بن عبد الله جلد أضحية ، وقال رجل لبعض الحكماء : أريد أن أهدي لك دجاجة ، قال : إن كان لا بد ، فاجعلها بيوضا ، وعبتموني حين قلت : من لم يعرف مواضع السرف في الموجود الرخيص لم يعرف مواضع الاقتصاد في الممتنع الغالي ، وقد أتيت بماء للوضوء على مبلغ الكفاية ، وأشف من الكفاية ، فلما صرت إلى تفريق أجزائه على الأعضاء ، وإلى التوفير عليها من وظيفة الماء ، وجدت في الأعضاء فضلا عن الماء ، فعلمت أن لو كنت مكنت الاقتصاد في أوائله لخرج أوله على كفاية آخره ، ولكان نصيب الأول كنصيب الآخر ، فعبتموني بذلك وشنعتموه علي ، وقد قال الحسن وذكر السرف : أما إنه ليكون في الماء والكلا ، فلم يرض بذكر الماء حتى أردفه بالكلا ، وعبتموني إلى قلت : لا يغترن أحد بطول عمره ، وتقويس ظهره ، ورقة عظمه ، ووهن قوته ، وأن برى دخله أكثر من رزقه فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده ، وتحويله إلى ملك غيره ، أو تحكيم السرف فيه ، وتسليط الشهوات عليه ، فلعله أن يكون معمرا وهو لا يدري وممدودا له في السن وهو لا يشعر ، ولعله أن يرزق الولد على اليأس ، وتحدث عليه آفات الكبر ما لا يخطر على باله ، ولا يدركه عقله ، فيسترده ممن لا يرده ، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه ، أضعف ما كان عن الطلب ، وأقبح ما كان له أن يطلب ، فعبتموني بذلك ، وقال عمرو بن العاص : اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا ، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا ، وعبتموني بأن قلت : إن التلف والتبذير إلى مال المواريث ، وأموال الملوك ، وإن الحفظ إلى المال المكتسب ، والغنى المجتلب ، وإلى ما يعرض فيه بذهاب الدين ، واهتضام العرض ، ونصب البدن ، واهتمام القلب أسرع ، ومن لم يحسب نفقته لم يحسب دخله ، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع المال ، ومن لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر ، وطاب نفسا بالذل ، وعبتموني بأن زعمت أن كسب الحلال ، مضمنٌ بالإنفاق في الحلال ، وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث ، وأن الطيب يدعو إلى