كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 296 """"""
الطيب ، وأن الإنفاق في الهوى ، حجاب دون الحقوق ، وأن الإنفاق في الحقوق حجاب دون الهوى ، فعبتم علي هذا القول ، وقد قال معاوية بن أبي سفيان : لم أر تبذيرا قط ، إلا وإلى جنبه حقٌ مضيع ، وقال الحسن : إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله ، فانظروا في أي شيء ينفقه ، فإن الخبيث إنما ينفق في السرف ، وقلت لكم بالشفقة عليكم ، وحسن النظر مني إليكم ، أنتم في دار الآفات ، والجوائح غير مأمونات ، فإن أحاطت بمال أحدكم آفةٌ ، لم يرجع إلى ثقة ، فاحذروا النقم ، باختلاف الأمكنة ، فإن البلية لا تجري في الجميع ، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العبد ، والأمة ، والشاة ، والبعير : فرقوا بين المنايا ، واجعلوا الرأس رأسين ، وقال ابن سيرين لبعض البحريين : كيف تصنعون في أموالكم ؟ قالوا : نفرقها في السفن ، فإن عطب بعض ، سلم بعض ، ولولا أن السلامة أكثر ، ما حملنا أموالنا في البحر ، فقال ابن سيرين : تحسبها خرقاء وهي صناعٌ ، وعبتموني بأن قلت لكم عند إشفاقي عليكم : إن للغنى سكرا ، والمال نزوةً ، فمن لم يحفظ الغنى من سكره ، فقد أضاعه ، ومن لم يرتبط المال لخوف الفقر فقد أهمله ، فعبتموني بذلك ، وقد قال زيد بن جبلة : ليس أحدٌ أقصر عقلا ، من غنى أمن الفقر ، وسكر الغنى أشد من سكر الخمر ، وقد قال الشاعر في يحيى ابن خالد : رن أحد بطول عمره ، وتقويس ظهره ، ورقة عظمه ، ووهن قوته ، وأن برى دخله أكثر من رزقه فيدعوه ذلك إلى إخراج ماله من يده ، وتحويله إلى ملك غيره ، أو تحكيم السرف فيه ، وتسليط الشهوات عليه ، فلعله أن يكون معمرا وهو لا يدري وممدودا له في السن وهو لا يشعر ، ولعله أن يرزق الولد على اليأس ، وتحدث عليه آفات الكبر ما لا يخطر على باله ، ولا يدركه عقله ، فيسترده ممن لا يرده ، ويظهر الشكوى إلى من لا يرحمه ، أضعف ما كان عن الطلب ، وأقبح ما كان له أن يطلب ، فعبتموني بذلك ، وقال عمرو بن العاص : اعمل لدنياك عمل من يعيش أبدا ، واعمل لآخرتك عمل من يموت غدا ، وعبتموني بأن قلت : إن التلف والتبذير إلى مال المواريث ، وأموال الملوك ، وإن الحفظ إلى المال المكتسب ، والغنى المجتلب ، وإلى ما يعرض فيه بذهاب الدين ، واهتضام العرض ، ونصب البدن ، واهتمام القلب أسرع ، ومن لم يحسب نفقته لم يحسب دخله ، ومن لم يحسب الدخل فقد أضاع المال ، ومن لم يعرف للغنى قدره فقد أذن بالفقر ، وطاب نفسا بالذل ، وعبتموني بأن زعمت أن كسب الحلال ، مضمنٌ بالإنفاق في الحلال ، وأن الخبيث ينزع إلى الخبيث ، وأن الطيب يدعو إلى الطيب ، وأن الإنفاق في الهوى ، حجاب دون الحقوق ، وأن الإنفاق في الحقوق حجاب دون الهوى ، فعبتم علي هذا القول ، وقد قال معاوية بن أبي سفيان : لم أر تبذيرا قط ، إلا وإلى جنبه حقٌ مضيع ، وقال الحسن : إذا أردتم أن تعرفوا من أين أصاب الرجل ماله ، فانظروا في أي شيء ينفقه ، فإن الخبيث إنما ينفق في السرف ، وقلت لكم بالشفقة عليكم ، وحسن النظر مني إليكم ، أنتم في دار الآفات ، والجوائح غير مأمونات ، فإن أحاطت بمال أحدكم آفةٌ ، لم يرجع إلى ثقة ، فاحذروا النقم ، باختلاف الأمكنة ، فإن البلية لا تجري في الجميع ، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في العبد ، والأمة ، والشاة ، والبعير : فرقوا بين المنايا ، واجعلوا الرأس رأسين ، وقال ابن سيرين لبعض البحريين : كيف تصنعون في أموالكم ؟ قالوا : نفرقها في السفن ، فإن عطب بعض ، سلم بعض ، ولولا أن السلامة أكثر ، ما حملنا أموالنا في البحر ، فقال ابن سيرين : تحسبها خرقاء وهي صناعٌ ، وعبتموني بأن قلت لكم عند إشفاقي عليكم : إن للغنى سكرا ، والمال نزوةً ، فمن لم يحفظ الغنى من سكره ، فقد أضاعه ، ومن لم يرتبط المال لخوف الفقر فقد أهمله ، فعبتموني بذلك ، وقد قال زيد بن جبلة : ليس أحدٌ أقصر عقلا ، من غنى أمن الفقر ، وسكر الغنى أشد من سكر الخمر ، وقد قال الشاعر في يحيى ابن خالد : وهوبٌ تلاد المال فيما ينوبه . . . منوعٌ إذا ما منعه كان أحزما
وعبتموني حين زعمتم ، أني أقدم المال على العلم ، لأن المال به يفاد العلم ، وبه تقوم النفس ، قبل أن يعرف فضل العلم ، فهو أصل ، والأصل أحق بالتفضيل من الفرع ، فقلتم . كيف هذا ؟ وقد قيل لبعض الحكماء : الأغنياء أفضل أم العلماء ؟ فقال : العلماء ، قيل له : فما بال العلماء يأتون أبواب الأغنياء ، أكثر مما يأتي الأغنياء أبواب العلماء ؟ قال : ذلك لمعرفة العلماء بحق المال ، وجهل الأغنياء بحق العلم ، فقلت : حالهما هي القاضية بينهما ، وكيف يستوي شيء حاجة العلماء إليه ، وشيء يغني فيه