كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 297 """"""
بعضهم عن بعض ، وكان النبي ( صلى الله عليه وسلم ) يأمر الأغنياء باتخاذ الغنم ، والفقراء باتخاذ الدجاج ، وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : إني لأبغض أهل البيت ينفقون نفقة الأيام في اليوم الواحد ، وكان أبو الأسود الدؤلي يقول لولده : إذا بسط الله لك في الرزق فابسط ، وإذا قبض فاقبض ، وعبتموني حين قلت : إن فضل الغنى عن القوت ، إنما هو كفضل الآلة تكون في البيت ، إن احتيج إليها استعملت ، وإن استغنى عنها كانت عدةً ، وقد قال الحصين بن المنذر : وددت أن لي مثل أحد ذهبا لا أنتفع منه بشيء ، قيل له : فما كنت تصنع به ؟ قال : لكثرة من كان يخدمني عليه ، لأن المال مخدوم ، وقال بعض الحكماء : عليك بطلب الغنى ، فلو لم يكن فيه إلا أنه عزٌ في قلبك ، وذلٌ في قلب عدوك لكان الحظ فيه جسيما ، والنفع عظيما ، ولسنا ندع سيرة الأنبياء ، وتأدب الخلفاء ، وتعليم الحكماء ، لأصحاب الهوى ، فلستم علي تردون ، ولا رأيي تفندون ، فقدموا النظر قبل العزم ، وأدركوا ما عليكم من قبل أن تدركوا مالكم ، والسلام .
ومن نوادر البخلاء ، قال رجل لبعض البخلاء : لم لا تدعوني إلى طعامك ؟ قال : لأنك جيد المضغ سريع البلع ، إذا أكلت لقمةً هيأت أخرى ، قال : يا أخي أتريد إذا أكلت عندك أن أصلي ركعتين بين كل لقمتين ؟ وقال آخر لبخيل : لم لا تدعوني إلى طعامك ؟ قال : لأنك تعلق ، وتشدق ، وتحدق ، أي تحمل واحدة في يدك ، وأخرى في شدقك ، وتنظر إلى الأخرى بعينك .
وقال بعض البخلاء : أنا لا آكل إلا نصف الليل ، قيل له : ولم ؟ قال يبرد الماء ، وينقمع الذباب ، وآمن فجأة الداخل ، وصرخة السائل .
وطبخ بعض البخلاء قدراً ، وجلس يأكل مع زوجته فقال : ما أطيب هذا الطعام لولا كثرة الزحام ، فقالت : وأي زحام وما ثم إلا أنا وأنت ؟ قال : كنت أحب أن أكون أنا والقدر .
وقال بعض البخلاء لغلامه : هات الطعام ، وأغلق الباب ، فقال : يا مولاي ، ليس هذا بحزم ، وإنما أغلق الباب ، وأقدم الطعام ، فقال له : أنت حرٌ لوجه الله .
وعزم بعض إخوان أشعب عليه ليأكل عنده ، فقال : إني أخاف من ثقيل يأكل معنا فينغص لذتنا ، فقال : ليس عندي إلا ما تحب فمضى معه فبينما هما يأكلان ، إذا بالباب قد طرق ، فقال أشعب : ما أرانا إلا صرنا لما نكره ، فقال صاحب المنزل : إنه