كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 298 """"""
صديق لي ، وفيه عشر خصال ، إن كرهت منها واحدة لم آذن له ، فقال أشعب : هات ، قال : أولها ، أنه لا يأكل ولا يشرب ، فقال : التسع لك ودعه يدخل ، فقد أمنا منه ما نخافه .
ذكر ما قيل في التطفيل ويتصل به أخبار الأكلة والمؤاكلة
والتطفيل من اللؤم ، وهو التعرض إلى الطعام ، من غير أن يدعى إليه ، وسنذكر تلو هذا الفصل آداب الأكل ، والمؤاكلة ، والاقتصاد في المطاعم ، والعفة عنها ، وما يجري هذا المجرى ، وإن كان خارجا عنه ، وإنما الشيء يذكر بالشيء ، والعرب تقول للطفيلي : الوارش ، والراشن ، قيل : هو مشتق من الطفل ، وهو الظلمة لأن الفقير من العرب كان يحضر الطعام الذي لم يدع إليه مستترا بالظلمة ، لئلا يعرف . وقيل : سمي بذلك ، لإظلام أمره على الناس ، لا يدري من دعاه ، وقيل : بل من الطفل لهجومه على الناس كهجوم الليل على النهار ، فيكون من الظلمة ، ولذلك قيل : " أطفل من ليل على نهار " ، وأول من سمي بهذا الاسم : طفيل العرائس ، وإليه ينسب الطفيليون ، وكان يقول لأصحابه : إذا دخل أحدكم عرسا ، فلا يلتفت تلفت المريب ، ويتخير المجالس ، وإن كان العرس كثير الزحام ، فليمض ولا ينظر في عيون الناس ، ليظن أهل المرأة أنه من أهل الرجل ، ويظن أهل الرجل أنه من أهل المرأة ، وإن كان البواب غليظا فاحشا ، فليبدأ به ، ويأمره وينهاه من غير أن يعنف عليه ، ولكن بين النصيحة والإدلال . وأشهر من نسب إليه هذا الاسم ، وكثرت عنه الحكايات ، بنان الطفيلي ، وهو عبد الله بن عثمان ، ويكنى أبا الحسن ، ولقبه بنان ، وأصله مروزي وأقام ببغداد ، وكان نقش خاتمه ، مالكم لا تأكلون . حكي أن رجلا سأله أن يدعو له ، فقال : اللهم ارزقه صحة الجسم وكثرة الأكل ، ودوام الشهوة ، ونقاء المعدة ، وأمتعه بضرس طحون ، ومعدة هضوم ، مع السعة والدعة ، والأمن والعافية ، وقال يوصي بعض أصحابه : إذا قعدت على مائدة وكان موضعك ضيقا فقل للذي يليك : لعلى ضيقت عليك فإنه يتأخر إلى خلف ، ويقول : موضعي واسع ، فيتسع عليك موضع رجل ،