كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 300 """"""
أشجاره ، وتسبح في أنهاره ؟ قال : لأن فيه كلبا لا يتمضمض إلا بدماء عراقيب الرجال ، وعثمان هذا الذي يقول :
لذةً التطفيل دومي . . . وأقيمي لا تريمي
أنت تشفين غليلي . . . وتسلين همومي ولهم أخبار وحكايات ، منها : ما نقل عن نصر بن علي الجهضمي أنه قال : كان لي جار طفيلي ، إذا دعيت إلى مدعاة ركب معي وجلس حيث أجلس ، فيأكل وينصرف ، وكان نظيفا عطرا ، حسن اللباس والمركب ، وكنت لا أعرف من أمره إلا الظاهر ، فاتفق لجعفر بن القاسم الهاشمي حقٌّ دعا له أشراف البصرة ووجوهها ، وهو يومئذ أمير البصرة ، فقلت في نفسي : إن تبعني هذا الرجل إلى دار الأمير لأخزيته ، فلما كان يوم الحضور ، جاءني الرسول ، فركبت ، وإذا به قد تبعني حتى دخل بدخولي ، وارتفع حيث أجلست ، فلما حضرنا الطعام ، قلت : حدثنا درست ابن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) : " من دخل إلى دار قوم بغير إذنهم ، دخل سارقا ، وخرج مغيرا ، ومن دعي ولم يجب فقد عصى الله ورسوله " . فظننت أني قد أشرفت على الرجل وقصرت من لسانه ، فأقبل علي وقال : أعيذك بالله من هذا الكلام في دار الأمير ، فإن الأشراف لا يحتملون التعريض باللؤم ، وقد حظر الدين التعريض ، وعزر عليه عمر رضي الله عنه ، ووليمة الأمير دعاء لأهل مصره فإنه سليل أهل السقاية ، والرفادة ، والمطعمين الأفضلين الذين هشموا الثريد ، وأبرزوا الجفان لمن غدا إليها ، ثم لا توزع وأنت في بيت من العلم معروف من أن تحدت عن درست بن زياد وهو ضعيف عن أبان ابن طارق وهو متروك الحديث بحكم رفعه الله إلى النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، والمسلمون على خلافه ، لأن حكم السارق القطع ، والمغير يعزر على ما يراه الإمام ، وهذان حكمان لا ينفذان على داخلٍ دارا في مجمع فيتناول لقما من فضل الله الذي آتي أهلها ثم لا يحدث حدثا حتى يخرج عنها ، وقد قال النبي ( صلى الله عليه وسلم ) : " طعام الواحد يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الأربعة " . حدثنا بذلك أبو عاصم النبيل عن ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) ، فأين أنت عن هذا الحديث الصحيح الإسناد والمتن ؟ قال نصر : فأصابتني خجلة شديدة ، فلما نظر الرجل إلى ما بي أكل ونهض قبلي ، فلما خرجت وجدته واقفا على دابته بالباب ، فلما رآني تبعني ، ولم يكلمني ولم أكلمه ، إلا أنني سمعته يتمثل :
ومن ظن ممن يلاقي الحروب . . . بأن لا يصاب فقد ظن عجزا

الصفحة 300