كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 302 """"""
وقد مدح أبو روح ظفر بن عبد الله الهروي طفيلياً ولم يسبق إليه ، فقال :
إن الطفيلي لي حرمة . . . زادت على حرمة ندماني
لأنه جاء ولم أدعه . . . مبتدئاً منه بإحسان
ودخل طفيلي إلى قوم فقالوا له : ما دعوناك فما الذي جاء بك ؟ فقال : إذا لم تدعوني ولم آت ، وقعت وحشة ، فضحكوا منه وقربوه . وقيل : مر طفيلي على قوم يتغدون ، فقال : سلام عليكم معشر اللئام ، فقالوا : لا والله بل كرام ، فثنى ركبته ونزل ، وقال : اللهم اجعلهم من الصادقين ، واجعلني من الكاذبين .
قال هشام أخوذي الرمة لرجل أراد سفرا : إن لكل رفقة كلبا يشركهم في فضلة الزاد ، فإن استطعت أن لا تكون كلب الرفاق فافعل .
ونظر طفيلي إلى قوم من الزنادقة يسار بهم إلى القتل ، فظنهم يدعون إلى صنيع ، فتلطف حتى دخل في لفيفهم وصار كواحد منهم ، فلما بلغوا صاحب الشرطة ، أمر بضرب أعناقهم ، فقدموا واحدا بعد واحد حتى انتهوا إلى الطفيلي فلما قدم للقتل التفت إلى صاحب الشرطة ، فقال له : إني والله ما أنا منهم ، ولا أعلم بما يدينون ، وإنما أنا طفيلي ظننتهم يذهب بهم إلى صنيع ، فتلطفت حتى دخلت في جملتهم ، فقال ليس هذا مما ينجيك ، اضربوا عنقه ، فقال : أصلحك الله ، إن كنت عزمت على قتلي ، فأمر السياف أن يضرب بطني بالسيف ، فإنه هو الذي أوقعني في هذه الورطة ، فضحك ، وكشف عنه ، فأخبر أنه طفيلي معروف ، فخلي سبيله .
وحكي أن المأمون أمر أن يحمل إليه عشرة من الزنادقة سموا له من أهل البصرة ، فجمعوا ، فأبصرهم طفيلي ، فقال : ما اجتمعوا إلا لصنيع ، فدخل في وسطهم ومضى بهم الموكلون ، حتى انتهوا إلى زورق قد أعد لهم ، قال الطفيلي : هي نزهة ، فدخل معهم الزورق ، فلم يكن بأسرع من أن قيدوا ، وقيد معهم الطفيلي ، ثم سير بهم إلى بغداد ، فأدخلوا على المأمون ، فجعل يدعوهم بأسمائهم رجلا رجلا ، ويأمر بضرب أعناقهم ، حتى وصل إلى الطفيلي ، وقد استوفى العدة ، فقال للموكلين : ما هذا ؟ قالوا : والله ما ندري ، غير أنا وجدناه مع القوم ، فجئنا به ، فقال له المأمون : ما قصتك ؟ ويلك فقال يا أمير المؤمنين : امرأتي طالق إن كنت

الصفحة 302