كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 303 """"""
أعرف من أقاويلهم شيئا ولا مما يدينون به ، وإنما أنا رجل طفيلي ، رأيتهم مجتمعين فظننت صنيعا يدعون إليه ، فضحك المأمون وقال : يؤدب ، وكان إبراهيم بن المهدي قائما على رأس المأمون فقال : يا أمير المؤمنين ، هب لي أدبه وأحدثك بحديث عجيب عن نفسي ، قال : قل يا إبراهيم ، قال : يا أمير المؤمنين ، خرجت من عندك يوما ، فطفت في سكك بغداد متطرفا ، حتى انتهيت إلى موضع كذا ، فشممت من قتار أبا زير قدور قد فاح ، فتاقت نفسي إليها ، وإلى طيب ريحها ، فوقفت إلى خياط ، فقلت له : لمن هذه الدار ؟ فقال : لرجل من التجار ، قلت : ما اسمه ؟ قال : فلان بن فلان ، فرميت بطرفي إلى الدار ، فإذا شباك فيها مطلٌ ، وإذا كفٌ قد خرج من الشباك ومعصم ، فشغلني حسن الكف والمعصم عن رائحة القدور ، فبهت ساعة ، ثم أدركني ذهني ، فقلت للخياط : أهو ممن يشرب النبيذ ؟ قال : نعم ، وأحسب أن عنده اليوم دعوة ، وهو لا ينادم إلا تجارا مثله مستورين ، فإني لكذلك ، إذا أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب ، فقال لي الخياط : هؤلاء منادماه ، فقلت : ما اسماهما وما كناهما ؟ فقال : فلان وفلان ، فحركت دابتي وداخلتهما ، وقلت : جعلت فداكما ، قد استبطأكما أبو فلان ، وسايرتهما حتى بلغنا الباب فأجلاني وقدماني ، فدخلت ودخلا ، فلما رآني صاحب المنزل معهما ، لم يشك أني منهما ، فرحب بي وأجلسني في أفضل المواضع ، فجيء يا أمير المؤمنين بمائدة عليها خبز نظيف وأتينا بتلك الألوان ، فكان طعمها أطيب من ريحها ، فقلت في نفسي : هذه الألوان قد أكلتها ، بقيت الكف ، كيف إلى صاحبتها ؟ ثم رفع الطعام ، وجيء بالوضوء ، ثم صرنا إلى مجلس المنادمة ، فإذا أشكل منزل ، وجعل صاحب المنزل يلطف بي ، ويميل علي بالحديث ، حتى إذا شربنا أقداحا ، خرجت علينا جارية ، كأنها بدر ، تتثنى يا أمير المؤمنين كالخيزران ، فأقبلت وسلمت غير خجلة وثنيت لها وسادة ، فجلست عليها ، وأتي بالعود فوضع في حجرها ، فجسته فاستبينت حذقها في جسها ، ثم اندفعت تغني :
توهمها طرفي فأصبح خدها . . . وفيه مكان الوهم من نظري أثر
تصافحها كفى فتؤلم كفها . . . فمن مس كفى في أناملها عقر

الصفحة 303