كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 304 """"""
فهيجت يا أمير المؤمنين بلابلي ، وطربت لحسن شعرها ، ثم اندفعت تغني :
أشرت إليها هل عرفت مودتي . . . فردت بطرف العين إني على العهد
فحدت عن الإظهار عمدا لسرها . . . وحادت عن الإظهار أيضا على عمد
فصحت يا أمير المؤمنين ، وجاءني من الطرب ما لم أملك نفسي معه ، ثم اندفعت فغنت الصوت الثالث : أليس عجيبا أن بيتا يضمني . . . وإياك لا نخلو ولا نتكلم
سوى أعين تشكو الهوى بجفونها . . . وتقطيع أكباد على النار تضرم
إشارة أفواهٍ وغمز حواجبٍ . . . وتكسير أجفان وكف تسلم
فحسدتها والله يا أمير المؤمنين على حدقها ومعرفتها بالغناء ، وإصابتها لمعنى الشعر ، فقلت : بقي عليك يا جارية ، فضربت بالعود على الأرض ، وقالت : متى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء ؟ فندمت على ما كان مني ، ورأيت القوم قد تغيروا لي ، فقلت : أما عندكم عود غير هذا ؟ قالوا : بلى ، فأتيت بعود ، فأصلحت من شأنه ثم غنيت :
ما للمنازل لا يجبن حزينا . . . أصممن أم قدم البلى فبلينا
راحوا العشية روحةً مذكورةً . . . إن متن متنا أو حيين حيينا
فما استتممته يا أمير المؤمنين ، حتى قامت الجارية ، فأكبت على رجلي تقبلهما ، وقالت : معذرة يا سيدي ، فوالله ما سمعت أحدا يغني هذا الصوت غناءك ، وقام مولاها وأهل المجلس ، ففعلوا كفعلها ، وطرب القوم واستحثوا الشرب فشربوا ، ثم اندفعت أغني :
أفي الحق أن تمشي ولا تذكرنني . . . وقد همعت عيناي من ذكرها الدما
إلى الله أشكو بخلها وسماحتي . . . لها عسل مني وتبذل علقما
فردي مصاب القلب أنت قتلته . . . ولا تتركيه ذاهل العقل مغرما
فطرب القوم حتى خرجوا من عقولهم ، فأمسكت عنهم ساعة حتى تراجعوا ، ثم غنيت الثالث :
هذا محبك مطوياً على كمده . . . عبري مدامعه تجري على جسده
له يدٌ تسأل الرحمن راحته . . . مما به ويدٌ أخرى على كبده