كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 305 """"""
فجعلت الجارية تصيح : هذا الغناء والله يا سيدي ، لا ما كنا فيه منذ اليوم ، وسكر القوم ، وكان صاحب المنزل حسن الشرب ، صحيح العقل ، فأمر غلمانه أن يخرجوهم ويحفظوهم إلى منازلهم ، وخلوت معه ، فلما شربنا أقداحا ، قال : يا سيدي ، ذهب ما مضى من أيامي ضياعا ، إذ كنت لا أعرفك ، فمن أنت ؟ ولم يزل يلح علي ، حتى أخبرته الخبر ، فقام وقبل رأسي ، وقال : وأنا أعجب أن يكون هذا الأدب إلا لملك ؟ وإني لجالس مع الخلافة ولا أشعر ، ثم سألني عن قصتي ، فأخبرته حتى بلغت إلى صاحبة الكف والمعصم ، فقال للجارية : قومي فقولي لفلانة تنزل ، فلم تزل تنزل جواريه واحدةً واحدةً ، فأنظر إلى كفها ومعصمها ، وأقول : ليس هي هذه حتى قال : والله ما بقي غير أختي وأمي ، والله لأنزلهما إليك ، فعجبت من كرمه وسعة صدره ، فقلت : جعلت فداك ، ابدأ بالأخت قبل الأم فعسى أن تكون هي ، فبرزت ، فلما رأيت كفها ومعصمها ، قلت : هي هذه فأمر غلمانه ، فساروا إلى عشرة مشايخ من جلة جيرانه ، فأقبلوا بهم ، وأمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم ، ثم قال للمشايخ : هذه أختي فلانة ، أشهدكم أني قد زوجتها من سيدي إبراهيم بن المهدي ، وأمهرتها عنه عشرين ألف درهم ، فرضيت وقبلت النكاح ، فدفع إليها بدرة ، وفرق الأخرى على المشايخ وصرفهم ، ثم قال : يا سيدي ، أمهد بعض البيوت فتنام فيه مع أهلك ، فأحشمني ما رأيت من كرمه ، فقلت : أحضر عماريةً وأحملها إلى منزلي ، ففعل ، فوالله يا أمير المؤمنين ، لقد أتبعها من الجهاز ما ضاقت عنه بيوتنا ، فأولدتها هذا القائم على رأس أمير المؤمنين ، يشير إلى ولده ، فعجب المأمون من كرم الرجل وألحقه في خاصة أهله ، وأطلق الطفيلي وأجازه .
ومن إنشاء المولى الفاضل تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني وهو الذي حاز قصبات السبق في فن الأدب على أترابه ، وفاز من البلاغة بقدحها المعلى في عنفوان شبابه ، رسالة وضعها في هذا الفن ، وصار له بها على أهله غاية المن ، مع نزاهة نفسه الأبية ، وارتفاعه عن المطاعم الدنية ، وإنما وضعها تجربة لخاطره ، وضمها إلى فوائد دفاتره ، وهي :

الصفحة 305