كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 308 """"""
الصدور ، فالأضياف ، يعتقدون أنك غلام المضياف ، ورب الحلة ، يعتقد أنك رفيق السادة الجلة ، وإن ولجت مجتمع ختان ، وقد نصبت فيه موائد الألوان ، وذرفنت الأبواب ، واكفهرت وجوه الحجاب ، فاجعل تحت ضبنك المجمع ، واخدع قلوبهم فمثلك من يخدع ، وقل : رفيق الأستاذ ومعينه ، ورجله التي يسعى بها بل يمينه ، فحينئذ ترفع الستور ، وتقدم لك أطايب القدور ، وإن رماك القدر على باب غفل عنه صاحبه ، وسها في غلقة حاجبه ، وقد مدوا في أوانيه سماطا ، وجعلوا لأوائل من يقدمه فراطا ، وقد تقاربت الزبادي ، وامتدت الأيادي ، ورأيت السماط روضةً تخالفت ألوانها ، وامتدت أفنانها ، والموائد فيما بينها أفلاكٌ تدور بصحونها ، بل بروج ثابتة تشعر بسكونها ، فلج على غفلة من الرقيب ، وابسط بنان الأكل وكف لسان المجيب ، فإن قيل لك : أما غلق دونك باب ؟ فقل : ما على الكرماء من حجاب ، وإياك والإطالة على الموائد ، فإنها مصايد الشوارد ، وإياك والقذارة عليها ، فإنها إمارة الحرمان لديها ، وإن وقعت على وليمة كثيرة الطعام ، قليلة الازدحام ، كبر اللقمة ولا تطل علكها ، ومر الفك في سرعة أن يفكها ، فإنك ما تدري ما تحدث الليالي والأيام ، خيفة أن يعثر عليك بعض الأقوام ، فتكتسي حلة الخجل ، وتظهر على وجهك صفرة الوجل ، واجعل من آدابك ، تطلعك إلى أثوابها ، ولا ترفع لمستجل وجها وجيها ، وقل لمن يحادثك : إيه ولا تقل : إيها ، وجاوب بنعم ، فإنها معينة على اللقم ، واجعل لكل مقام ما يناسبه من الحيلة ، ومل على أهل الولائم والمآدب ميلةً وأي ميلة ، واسأل عمن ورث من آبائه مالا ، وقد جمعه بوعثاء السفر وعنائه حراما وحلالا ، أهل يعقد مقاما ؟ أم يبلغ من دنياه بالقصف مراما ؟ فإن قيل : فلان الفلاني رب هذه المثابة ، وصاحب الدعوة المجابة ، فكن ثالثة الأثافي لبابه ، وانتظم في سلك عشرائه وأترابه ، وتفقد الأسواق خصوصا اللحامين ، ومواطن الطبخ ومساطب المطر بين ، ومجمع القراء ومعاهد محال الوعاظ ، وكل بقعة هي مظنة فرح يعود عليك نفعه وكن أول داخل وآخر خارج ، ومل إلى الزوايا ، فهي أجمل ما لهذه الحرفة من المزايا ، ونقل ركابك في كل يوم ، فتارة في سوق اللحم وتارة في سوق الثوم ، وغير الحلية ، وقصر اللحية ، وابرز كل يوم في لباس ، فهو