كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)

"""""" صفحة رقم 312 """"""
ذكر الاقتصاد في المطاعم والعفة عنها
قال الله عز وجل : " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجدٍ وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين " . وفي الحديث أن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " من زاره أخوه المسلم فقرب إليه ما تيسر غفر له وجعل في طعامه البركة ، ومن قرب إليه ما تيسر فاستحقر ذلك كان في مقت من الله حتى يخرج " . وقالت عائشة رضي الله عنها : أولم النبي ( صلى الله عليه وسلم ) على بعض نسائه مدين من شعير .
وقيل : كان عيسى بن مريم صلوات الله عليه يقول : اعملوا ولا تعملوا لبطونكم ، وإياكم وفضول الدنيا ، فإن فضولها رجزٌ ، هذه طير السماء تغدو وتروح ، ليس معها من أرزاقها شيء ، لا تحرث ولا تحصد ، والله يرزقها ، فإن قلتم : بطوننا أعظم من بطونها ، فهذه الوحش تغدو وتروح ، وليس معها من أرزاقها شيء والله يرزقها .
وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه : لما دخل شهر رمضان كان يفطر ليلة عند الحسن ، وليلة عند الحسين ، وليلة عند عبد الله بن جعفر ، لا يزيد على لقمتين أو ثلاث ، فقيل له ، فقال : إنما هي أيام قلائل يأتي أمر الله وأنا خميص ، فقتل من ليلته .
وفي الحديث عن النبي ( صلى الله عليه وسلم ) أنه قال : " من قل طعمه صح بدنه وصفا قلبه ، ومن كثر طعمه سقم جسمه وقسا قلبه " . وعنه ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " ما زين الله رجلا بزينة أفضل من عفاف بطنه " . قال حاتم :
أبيت خميص البطن مضطمرا الحشا . . . من الجوع أخشى الذم أن أتضلعا
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله . . . وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا
وقال بعضهم : رأيت مجنونا ببغداد ، وهو على باب دار فيها صنيع والناس يدخلون ، وكنت ممن دعي ، فقلت : ألا تدخل فتأكل ؟ فإن الطعام كثير ، قال : وإن

الصفحة 312