كتاب نهاية الأرب في فنون الأدب ـ العلمية (اسم الجزء: 3)
"""""" صفحة رقم 313 """"""
كثر فإني ممنوع منه ، فقلت : كيف والباب مفتوح ، ولا مانع من الدخول ؟ فقال : أآكل طعاما لم أدع إليه ؟ لقد اضطرني إلى ذلك غير الجوع ، فقلت : ما هو ؟ قال : دناءة النفس وسوء الغريزة ، قال شاعر :
وإني لعف عن مطاعم جمةٍ . . . إذا زين الفحشاء للنفس جوعها
وقال آخر :
وأعرض عن مطاعم قد أراها . . . فأتركها وفي البطن انطواء
فلا وأبيك ما في العيش خيرٌ . . . وفي الدنيا إذا ذهب الحياء
قال الجنيد : مر بي الحارث بن أسد المحاسبي ، فرأيت فيه أثر الجوع ، فقلت : يا عم ، تدخل الدار وتتناول شيئا ؟ قال : نعم ، فدخل ، وقدمت إليه طعاما حمل إلي من عرس ، فأخذ لقمة فلاكها ونهض فألقاها في الدهليز ومضى ، فالتقيت به بعد أيام ، فقلت له في ذلك : فقال : كنت جائعا ، وأردت أن أسرك بأكلي ، ولكن بيني وبين الله تعالى علامة ، أن لا يسوغني طعاما فيه شبهة ، فمن أين كان ذلك الطعام ؟ فأخبرته ، ثم قلت له : تدخل اليوم ؟ قال : نعم ، فقدمت إليه كسراً كانت لنا فأكل وقال : إذا قدمت لفقير شيئا ، فقدم مثل هذا .
روي أن عمرو بن العاص قال لأصحابه يوم الحكمين : أكثروا لهم الطعام ، فوالله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم ، وما مضت عزمة رجل بات بطينا ، فلما وجد معاوية ما قال صحيحا ، قال : البطنة تذهب الفطنة .
وروي أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : " لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب ، فإن القلوب تموت كالزرع إذا كثر عليه الماء " .