كتاب الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي (اسم الجزء: 4)

ووقع استثناء وهو راجع إلى الجملة الأخيرة بلا خلاف، غير راجع إلى الأولى على الصحيح، وفي المتوسطة اختلاف، وذلك في آية القاذف المتقدمة (¬١)، فإن الجلد ثابت سواء أتاب (¬٢) القاذف أم (¬٣) لم يتب، وإنما الخلاف في قبول الشهادة، وهي الجملة المتوسطة.
فإن قلت: فهذه الآية والآية الأولى ينقضان مذهبكم كما نقضت آية
---------------
(¬١) قد حكى كثير من الأصوليين الاتفاق على عدم عود الاستثناء إلى الجملة الأولى في آية القذف. انظر: الإحكام ٢/ ٣٠٤، بيان المختصر ٢/ ٢٨٦، البحر المحيط ٤/ ٤٣١، شرح المحلي على الجمع ٢/ ١٩، نهاية السول ٢/ ٤٣٢، شرح الكوكب ٣/ ٣١٨. وانظر: فتح القدير ٤/ ٩، تفسير ابن كثير ٣/ ٢٦٤، لكن قال القرطبي في تفسيره ١٢/ ١٧٨ - ١٧٩: "فتضمنت الآية ثلاثة أحكام في القاذف: جَلْده، ورَدُّ شهادته أبدًا، وفسقه. فالاستثناء غير عاملٍ في جلده بإجماعٍ، إلا ما رُوي عن الشعبي على ما يأتي. وعامل في فسقه بإجماع. واختلف الناس في عمله في ردِّ الشهادة. . . ويروى عن الشعبي أنه قال: الاستثناء من الأحكام الثلاثة، إذا تاب وظهرت توبته لم يُحَدّ، وقبلت شهادته، وزال عنه التفسيق؛ لأنه قد صار ممن يُرْضَى من الشهداء، وقد قال الله عز وجل: {وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ} الآية". إلا أن توبة القاذف عند الشعبي لا تكون إلا بأن يُكَذِّب نفسه في ذلك القذف الذي حُدّ فيه، كما فعل عمر - رضي الله عنه -، فإنه قال للذين شهدوا على المغيرة - رضي الله عنه -: "من أكذب نفسه أجَزْتُ شهادته فيما استقبل، ومن لم يفعل لم أُجِز شهادته"، وهو مذهب الضحاك وأهل المدينة. انظر: التفاسير السابقة، الدر المنثور ٦/ ١٣١. فعلى هذا كأن الشارح رحمه الله تعالى يشير بقوله: "غير راجع إلى الأُولى على الصحيح" إلى خلاف الشعبي رضي الله عنه. والله أعلم.
(¬٢) في (ت): "تاب".
(¬٣) في (ت): "أو".

الصفحة 1425