كتاب الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي (اسم الجزء: 5)
فإن قلت: فكيف يتجه جريان قولٍ بالإباحة فيما يظهر فيه قصد القربة، فإنَّ قصد القربة لا يُجامع استواء الطرفين؟
قلت: النبي - صلى الله عليه وسلم - قد يُقدم على ما هو مستوي الطرفين؛ ليبين للأمة جواز الإقدام عليه، ويُثاب - صلى الله عليه وسلم - بهذا القصدِ وهذا الفعلِ وإن كان مستوي الطرفين، فيظهر في المباح قَصْدُ القربة بهذا الاعتبار (¬١)، ولا يتجه جريان القول بالإباحة إلا بهذا التقرير. على أنا لم نَرَ مِن المتقدمين مَنْ صرَّح بحكايته في هذا القسم، أعني: السادس، وهو ما ظهر فيه قصد القربة. نعم حكاه الآمدي ومَنْ تلقاه منه، ولا مساعِدَ للآمدي على (¬٢) حكايته، وأنا قد وقفت على كلام القاضي فمَنْ بعده.
الثامن: ما دار الأمر فيه بين أن يكون جبليًا وأن يكون شرعيًا وهذا القسم لم يذكره الأصوليون، فهل يُحمل على الجبلي؛ لأن الأصل عدم التشريع، أو على الشرعي؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - بُعِث لبيان الشرعيات؟
وهذا القسم قاعدة جليلة، وهي مُفْتَتَح كتابنا "الأشباه والنظائر"، وقد ذكرت في كتابي "الأشباه النظائر" أنه قد يخرج فيها قولان من القولين في تعارض الأصل والظاهر (¬٣)؛ إذ الأصل عدم التشريع،
---------------
(¬١) انظر: شرح المحلي على الجمع ٢/ ٩٩، سلم الوصول ٣/ ٢٢.
(¬٢) في (ت): "في".
(¬٣) قال الشارح رحمه الله: "فإن عارض الأصلَ ظاهرٌ - فقيل: قولان دائمًا. وقيل: غالبًا. وقيل: أصحهما اعتماد الأصل دائمًا. وقيل: غالبًا. والتحقيق: الأخذ بأقوى الظنين". الأشباه والنظائر ١/ ١٤. وانظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٦٤.