كتاب الإبهاج في شرح المنهاج - ط دبي (اسم الجزء: 3)

ومَثَّل له في الكتاب بقول الشاعر (¬١):
أشاب الصغيرَ وأفنى الكبيـ ... ـر كَرُّ الغَداة ومَرُّ العَشي (¬٢)
فإنَّ مفردات هذا النوع من المجاز كلها مستعملة في موضوعاتها، وإنما التجوز في إسناد بعضها إلى بعض، وذلك حكم عقلي، ألا ترى أن "أشاب" و"الصغيرَ" مستعملان في موضوعيهما، وكذلك: "أفنى" و"الكبير"، لكن إسناد "أشاب" و"أفنى" إلى "كر الغداة ومر العشي" هو الذي وقع فيه التجوز؛ لكونهما مسندَيْن إلى الله تعالى في نفس الأمر. ومثْلُه: أنبت الربيعُ البقلَ. والضابط فيه: أنك متى نَسَبْتَ إلى ما ليس بمنسوب إليه لذاته (¬٣)، بضَرْبٍ من الملاحظة بين الإسنادين (¬٤) - كان ذلك مجازًا في التركيب. وخرج بهذا القيد الأخير (¬٥) قولُ الدهري: أنبت الربيعُ البقلَ؛ إذ ذاك (¬٦) ليس عنده لضرب من الملابسة، بل هو أصليٌّ عنده،
---------------
= ما في معناه إلى غير ما هو له عند المتكلم في الظاهر لِعَلاقة. انظر: حسن الصياغة شرح دروس البلاغة للفاداني ص ١٣١، جواهر البلاغة للهاشمي ص ٢٩٦، مختصر المعاني للتفتازاني ص ٣٦.
(¬١) قائل هذا البيت هو قُثَم بن خَبيئَةَ الصَّلَتان العبدي. انظر: الشعر والشعراء لابن قتيبة ص ٥٠١ - ٥٠٢.
(¬٢) فالفعلان: أشاب وأفنى - أُسْنِدا إلى غير ما هو له: وهو كرُّ الغداة ومرُّ العشي، وهما سبب، والذي أشاب وأفنى في الحقيقة هو الله تعالى.
(¬٣) أي: ما ليس بفاعل حقيقي.
(¬٤) أي: بعلاقة بين الإسناد إلى الفاعل الحقيقي، والإسناد إلى الفاعل المجازي.
(¬٥) وهو قوله: بضربٍ من الملاحظة بين الإسنادَيْن.
(¬٦) في (ص)، و (غ)، و (ك): "إذ ذلك".

الصفحة 754