كتاب السيرة النبوية لابن كثير (اسم الجزء: 2)

رَوَاهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيح إِلَى شُعْبَة بعده.
قَالُوا: وَالْقدر الْمُشْتَرك بَين الثَّلَاثِ نِسْوَةٍ، آسِيَةَ وَمَرْيَمَ وَخَدِيجَةَ، أَنَّ كُلًّا مِنْهُنَّ
كَفَلَتْ نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَأَحْسَنَتِ الصُّحْبَةَ فِي كفالتها وَصَدَّقَتْهُ حِينَ بُعِثَ.
وَمَرْيَمُ كَفَلَتْ وَلَدَهَا أَتَمَّ كَفَالَةٍ وَأَعْظَمَهَا وَصَدَّقَتْهُ حِينَ أُرْسِلَ.
وَخَدِيجَةُ رَغِبَتْ فِي تَزْوِيجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا وَبَذَلَتْ فِي ذَلِكَ أَمْوَالَهَا، كَمَا تَقَدَّمَ، وَصَدَّقَتْهُ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ مِنَ الله عزوجل.
وَقَوْلُهُ: " وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ " هُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ أَيْضًا، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مُرَّةَ الطَّيِّبِ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ " والثريد هُوَ الْخَبَر وَاللَّحْمُ جَمِيعًا، وَهُوَ أَفْخَرُ طَعَامِ الْعَرَبِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ: إِذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْم * فَذَاك أَمَانَة الله الثَّرِيد وَيحمل قَوْلُهُ: " وَفَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ " أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا فَيَعُمُّ النِّسَاءَ الْمَذْكُورَاتِ وَغَيْرَهُنَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِيمَا عَدَاهُنَّ وَيَبْقَى الْكَلَامُ فِيهَا وَفِيهِنَّ مَوْقُوفا يحْتَمل التَّسْوِيَة بَينهُنَّ، فَيحْتَاج من رجح وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ عَلَى غَيْرِهَا إِلَى دَلِيلٍ مِنْ خَارج.
وَالله أعلم.

الصفحة 138