كتاب تفسير العثيمين: النساء (اسم الجزء: 2)

يحيى ليس مرفوعًا في حال حياته، إنما هو مرفوع بعد أن مات.
قوله: {وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا} أي: ذا عزة، والعزة ثلاثة أقسام - كما قال العلماء -: عزة القهر، وعزة القدر، وعزة الإمتناع:
فعزة القهر: أن الله سبحانه وتعالى غالب غير مغلوب، وفي ذلك يقول الشاعر الجاهلي:
أين المفر والإله الطالبُ ... والأشرم المغلوب ليس الغالبُ
ومن أمثلة ظهور الغلبة في العزة، قول الله تبارك وتعالى ردًا على قول المنافقين: {لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ} [المنافقون: ٨] قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: ٨] فالعزة هنا أظهر معانيها الغلبة؛ لأنه في مقابلة قول هؤلاء المنافقين، وعزة الغلبة واضحة، أن يكون غالبًا لكل شيء، فهو غالب وليس بمغلوب جل وعلا.
وعزة القدر: أي أنه ذو قدر عظيم لا نظير له.
وعزة الإمتناع: أنه يمتنع عليه النقص، وأخذوا هذا من قول العرب: أرض عزاز؛ أي: صلبه قوية.
قوله: {حَكِيمًا} أي: ذا حكمة، والحكمة هي: إحكام الشيء وإتقانه، ووضعه موضعه بحيث لا يقول عاقل ليته لم يكن هنا، هذه الحكمة، وقد نتوسع في المعنى ونقول: إن الحكيم مشتقة من الحكمة والحكم، قال الله تبارك وتعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} [الأنعام: ٥٧] وقال تعالى: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى: ١٠] فهو الحكيم؛ أي: الحاكم في عباده، وبين عباده، فهو الحاكم في عباده، يشرع ما شاء فيهم بأمره ونهيه، وهو الحاكم بينهم بشرعه في الدنيا وبجزائه في

الصفحة 448

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text